سلسلة جذور الروح (تراث وحضارات الشعوب القديمة) الباحث العراقي عدنان مهدي الطائي الحلقة العاشرة: الفينيقيون وقرطاجنة – ملوك البحر الأبيض المتوسط

 

سلسلة جذور الروح (تراث وحضارات الشعوب القديمة)
الباحث العراقي عدنان مهدي الطائي

الحلقة العاشرة: الفينيقيون وقرطاجنة – ملوك البحر الأبيض المتوسط

"رحلة في أعماق الروح الإنسانية، حيث تلتقي الفلسفة بالعبادة"

المقدمة

   قبل أن تسيطر روما على البحر المتوسط، وقبل أن تبحر الإسكندر بأساطيله، كان هناك شعب من كنعان (لبنان وسوريا وفلسطين اليوم) أبحروا في كل اتجاه، وأسسوا مدنًا على شواطئ أفريقيا وأوروبا، وربطوا الحضارات القديمة عبر التجارة والكتابة. الفينيقيون هم أعظم بحارة التاريخ القديم، وهم مخترعو الأبجدية التي انتشرت لاحقًا إلى اليونان وروما والعالم كله. كما أسسوا قرطاجة (في تونس اليوم) التي أصبحت إمبراطورية بحرية هائلة، نافست روما في ثلاثة حروب شرسة (الحروب البونيقية) وكادت أن تقضي عليها.

   في هذه الحلقة من «جذور الروح»، نتعرف على المدن الفينيقية الأم (صور، صيدا، جبيل، أوغاريت)، ونبحر معهم إلى قبرص وصقلية وإسبانيا، ونعرف أساطيرهم (الأبجدية، الإله بعل، أسطورة أوزوريس وإيزيس التي نقلوها إلى اليونان). ثم ننتقل إلى قرطاجة العظيمة، المدينة التي حكمت غرب المتوسط، وقائدها العبقري حنبعل الذي كاد يحرق روما، ونختم بإرثهم في البحر الأبيض المتوسط وفي أبجديتنا اليوم.

أولاً: الجذور الكنعانية والفينيقية

من هم الكنعانيون؟

  الفينيقيون هم جزء من مجموعة أوسع تعرف بـ الكنعانيين (السكان الأصليون لبلاد الشام: لبنان، فلسطين، سوريا، الأردن). من أبرز مدنهم الكنعانية قبل الفينيقيين: أريحا (8000 ق.م)، أوغاريت (6000 ق.م)، جبيل (5000 ق.م). تحدثوا اللغة الكنعانية (سامية شمال غربية)، وكتبوا أولاً بالكتابة المسمارية (في أوغاريت ابتكروا الأبجدية الأوغاريتية – أقدم أبجدية في العالم حوالي 1400 ق.م)، ثم طوروا الأبجدية الفينيقية الكلاسيكية (1050 ق.م).

المدن الفينيقية الأم:

- جبيل (بيبلوس): أقدم مدينة مأهولة باستمرار في العالم (5000 ق.م). كانت مركزًا لتجارة ورق البردي مع مصر. أعطت اسمها للكلمة الإغريقية "بيبلوس" التي تعني "كتاب".

- صيدا (سيدون): اشتهرت بالصناعات الزجاجية (النفخ بالزجاج) والصباغ الأرجواني (من حلزون "موركس" الذي يعطي لونًا ملكيًا).

- صور (تاير): أهم المدن الفينيقية في الألفية الأولى ق.م. مدينة على جزيرة، حصنت نفسها وأسست مستعمرات عديدة (أشهرها قرطاجة).

- أوغاريت (رأس شمرا): في سوريا. لم تكن فينيقية بالكامل لكنها لعبت دورًا في تطوير الكتابة الأبجدية.

ما يميز الفينيقيين؟

   لم يكونوا شعبًا موحدًا سياسيًا، بل مدن-دول مستقلة تتنافس وتتحالف. لم يهتموا ببناء إمبراطورية برية (كانت كل مدنهم على الساحل). بدلاً من ذلك، أبحروا:

- صنعوا سفنًا طويلة (جاليات، طرادات) ذات صواري وأشرعة ومجاديف.

- استخدموا النجوم في الملاحة (لاحظوا نجم الشمال – القطب).

- أسسوا مستعمرات على طول شمال أفريقيا (أوتيك، قرطاجة، ليبكس)، صقلية (موتيا، بانورموس)، سردينيا (كالياري)، جزر البليار، مالطا، جنوب إسبانيا (قادس – غاديس)، وحتى خارج أعمدة هرقل (جبل طارق) ربما وصلوا إلى بريطانيا والجزر الكنارية.

 التجارة والصناعات:

- الصباغ الأرجواني: المادة الثمينة التي صبغت ملابس الملوك والأباطرة. استخلصوه من غدد حلزون بحري ("موركس ترونكولوس"). 12,000 حلزون تعطي جرامًا واحدًا من الصباغ. كان أغلى من الذهب.

- الزجاج: اخترعوا نفخ الزجاج (القرن 1 ق.م) – ثورة في صناعة الأواني الزجاجية.

- الأخشاب: أرز لبنان كان يستخدم في بناء السفن والمعابد (أرسلوا أخشابًا للمعبد اليهودي في أورشليم – كما في الكتاب المقدس).

- المعادن: جلبوا الفضة من إسبانيا، القصدير من جزر إنجلترا، الذهب من أفريقيا.

- العاج والعبيد والأقمشة.

 ثانياً: الكتابة الأبجدية – أعظم إرث فينيقي

أصل الأبجدية

    قبل الفينيقيين، كانت الكتابة إما هيروغليفية (مئات الرموز) أو مسمارية (أشكال إسفينية). الأوغاريتيون ابتكروا أول أبجدية (حوالي 1400 ق.م) بحروف قليلة (30 حرفًا)، لكنها كانت مسمارية (نقش على الطين). الفينيقيون (حوالي 1050 ق.م) طوّروا 22 حرفًا فقط، أبجدية خطية بسيطة، تكتب من اليمين إلى اليسار، كل حرف يمثل صوتًا ساكنًا واحدًا (لم تكتب حروف العلة).

 انتشار الأبجدية:

- اليونان (القرن 8 ق.م) أخذوا الأبجدية الفينيقية، وأضافوا حروفًا للعلة (ألفا، إبسيلون، إيوتا، إلخ)، وكتبوها من اليسار إلى اليمين. من اليونان انتقلت إلى إيطاليا (الإتروسكان، ثم اللاتين)، ثم إلى كل أوروبا (الأبجدية اللاتينية التي نكتب بها الآن).

- العبرية والعربية تطورت من فرع آخر (الآرامية المشتقة من الفينيقية).

- حتى الأبجدية السيريلية (الروسية، البلغارية، الصربية) أصلها يوناني (من الفينيقية).

أسماء الحروف:

كثير من أسماء الحروف الأبجدية (اليونانية واللاتينية) مشتقة من أسماء فينيقية لها معنى:

- ألف (ألف – ثور)

- بيت (بيتا – بيت)

- غيمل (غاما – جمل)

- دالت (دلتا – باب)

- كاف (كابا – كف يد)، إلخ.

 ثالثاً: ديانة الفينيقيين – بعل، عشتروت، وطقوس التضحية

آلهتهم:

- بعل (Baal – "سيد"): إله الخصب والمطر والعواصف (أو إله الشمس في بعض المناطق). عبادة بعل كانت منتشرة في كنعان كلها، وانتقدها بشدة الأنبياء اليهود (إيليا على جبل الكرمل). في قرطاجة، اتخذ اسم بعل حمون (بعل المواقد).

- عشتروت (Astarte) / عشتارت: إلهة الحب والجنس والخصوبة والحرب (معادلة لعشتار البابلية وأفروديت اليونانية وفينوس الرومانية).

- ملكارت (Melqart): "ملك المدينة"، إله مدينة صور، حامي البحارة والمستعمرات. كان مرتبطًا بالطقوس السنوية للموت والبعث.

- إيل (El): الإله الأعلى للكنعانيين (معادل لإلوهيم العبري، أو إيلوه)، لكن في الفينيقية تراجع دوره لصالح بعل.

طقوس التضحية البشرية (مثيرة للجدل):

- النصوص الكلاسيكية (اليونانية والرومانية) تتهم الفينيقيين والقرطاجيين بتقديم أطفالهم (بخاصة الأبكار) كذبائح لمولك (ملكارت أو بعل حمون) في أوقات الكوارث.

- في قرطاجة، اكتشف علماء الآثار مقبرة خاصة تسمى توفيت (Tophet) تحتوي على آلاف الجرار الصغيرة بها عظام أطفال محروقة، مع نقوش تهدى للإله. هذا يدعم الاتهام جزئيًا (ربما كان الممارسة نادرة، لكنها حدثت خاصة في الأزمات الشديدة).

- لكن بعض الباحثين يرون أن الموتى قد يكونون أطفالاً ماتوا لأسباب طبيعية، وقُدموا كقرابين رمزية، وليس بالضرورة ذبحًا حيًا. المسألة لا تزال محل نقاش.

الأساطير (تأثير على اليونان):

- أسطورة أوزوريس وإيزيس من مصر، لكن الفينيقيين نشروها في غرب المتوسط.

- أسطورة عشتروت وأدونيس (أدونيس شاب وسيم تحبه عشتروت، يموت ويبعث، إله الخصب) انتقلت إلى اليونان (أفروديت وأدونيس).

- أسطورة ملكارت (بطله) قد ألهمت بعض قصص هرقل (هيراكليس).

رابعاً: قرطاجة – الإمبراطورية البونيقية

التأسيس والأسطورة:

- طبقًا للأسطورة، أسست الأميرة الصورية إليسا (ديدو) مدينة قرطاجة (في تونس الحالية) عام 814 ق.م بعد هروبها من أخيها الملك بيجماليون. تفاوضت مع السكان المحليين على قطعة أرض بقدر جلد ثور، ثم قصت الجلد إلى شرائح ضيقة وأحاطت بتلة كبيرة – تأسست مدينة قرطاجة (قارط حادشت – المدينة الجديدة).

  القوة البحرية والنظام السياسي:

- قرطاجة ورثت التقاليد الفينيقية لكنها تطورت إلى دولة مدينة إمبريالية (ليس مملكة وراثية، بل جمهورية يرأسها قاضيان (سوفيتات) يُنتخبان سنويًا، ومجلس شيوخ (مئة رجل)، ونبلاء تجار.

- أسطولها ضخم (300–400 سفينة حربية، كل سفينة بثلاثة صفوف مجاديف – تريريم)، قوادها بحارة من ذوي خبرة.

- سيطرت على صقلية الغربية، سردينيا، كورسيكا، مالطا، جزر البليار، ومعظم سواحل شمال أفريقيا وإسبانيا.

- اعتمدت على مرتزقة (من النوميديين، الإيبيريين، الغاليين) بقيادة جنرالات قرطاجيين.

 حنبعل (247183 ق.م) العبقري الحربي الأعظم

- أقسم على ألا يصالح روما. تولى القيادة في إسبانيا، واستولى على ساغونتو (حليفة روما)، مما أشعل الحرب البونيقية الثانية (218–201 ق.م).

- عبور جبال الألب (خريف 218 ق.م): خرج من إسبانيا، عبر جنوب فرنسا، وتسلق جبال الألب بـ 40 فيلاً حربياً (نجا 30 فقط)، وخسر نصف جيشه (من 80,000 إلى 30,000). لكنه نزل إلى إيطاليا مفاجئاً الرومان.

- معركة كاناي (216 ق.م): حاصر الجيش الروماني (86,000 جندي) بجيشه الأصغر (50,000) في كماشة مزدوجة، ودمّرهم بالكامل (قتل 70,000 روماني). صرخة الصبيان في روما: "حنبعل على الأبواب!" لكنه لم يهاجم روما لعدم امتلاكه آلات حصار.

- جاب إيطاليا 15 عامًا، هزم الجيوش الرومانية المتعاقبة، لكنه لم يستطع كسب حلفاء كثر من الإيطاليين ضد روما.

- أخيرًا، قام القائد الروماني سيبيو الأفريقي بمهاجمة قرطاجة مباشرة، مما أجبر حنبعل للعودة إلى أفريقيا، وهزمه في معركة زاما (202 ق.م). انتهت الحرب بسلام قاسٍ على قرطاجة.

نهاية قرطاجة:

- بعد انتقام روما واستمرار الخوف من قرطاجة، صرّح القائد الروماني كاتو الأكبر مرارًا في مجلس الشيوخ: "قرطاجة يجب أن تدمَّر" (Carthago delenda est).

- الحرب البونيقية الثالثة (149–146 ق.م) كانت حصارًا دام ثلاث سنوات. سقطت المدينة، أُحرقت بالكامل، وبيع سكانها كعبيد. هدم الرومان المباني وملحوا الأرض لمنع إعادة البناء (أسطورة ملح التربة، وإن كانت شبه رمزية لاحقًا). روما بسطت سيطرتها على غرب المتوسط نهائيًا.

خامساً: الإرث الفينيقي القرطاجي

- الأبجدية: أم الأبجدية الغربية. بدون الفينيقيين، لم تكن كتابتنا اللاتينية لتبدو هكذا.

- اكتشاف المحيط الأطلسي: قرطاجي يدعى حانون أبحر جنوبًا على الساحل الغربي لأفريقيا في القرن 5 ق.م، وترك وصفًا وُجد لاحقًا في مخطوطات (الساحل حتى الغابون أو الكاميرون).

- الملاحة: بنوا منارات وخرائط، وتقنيات إبحار بالنجوم، وطرق التجارة البحرية استخدمها الرومان لاحقًا.

- القانون البحري والتأمين: ولد التجارة البحرية النظامية وشركات الشحن.

- الثقافة: امتصت روما بعض الآلهة (كـ "فينوس" المقترضة من عشتروت)، والفنون، وحتى طرق بناء السفن.

- العمارة: تقنيات بناء الموانئ والسدود والطرق المتقدمة.

 خاتمة

   الفينيقيون وقرطاجنة هم التجار والمستكشفون الأوائل الذين نشروا الأبجدية وأشاعوا التجارة عبر المتوسط. لولاهم، لكان العالم الغربي ربما لا يزال يكتب بهيروغليفية أو مسمارية معقدة.  ورغم أن روما محت قرطاجة، إلا أن الروح الفينيقية بقيت في مدن لبنان، وتونس، ومالطا، وصقلية. وحتى اليوم، تنطق الأبجدية اللاتينية التي تكتب بها بحروف ذات أسماء سامية (ألف، بيت، كاف...). فتحية منا للشعب الكنعاني الفينيقي الذي أشرق من سواحل لبنان إلى أقصى الغرب.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

إلى من ادّعت أنها شمسٌ

عواطف مكبوتة قصة قصيرة.. رحلةٍ رمزيةٍ داخل متاهة الذات