المهدوية والعولمة الإنسانية: من عقيدة الانتظار إلى مشروع العدالة العالمية
المهدوية والعولمة الإنسانية: من عقيدة
الانتظار إلى مشروع العدالة العالمية
(أن المهدوية ليست دعوة إلى انتظار معجزة،
بل مشروع أخلاقي وحضاري يطمح إلى عالم أكثر عدلاً وإنسانية.)
بقلم الباحث عدنان
مهدي الطائي
إن حقيقة المهدي المنتظر في العقائد
الإسلامية على اتجاهين: -
الاتجاه الاول ما هو عقيدة دينية
أولا: يتعلق بالبحث عن المهدي من خلال القران الكريم والسنة النبوية
أن الشيعة والسنة متفقون على إن رسول الله (ص)
بشر وأعلن أصحابه بأنه سيظهره في آخر الزمان وان ظهور هذا اليوم الذي ينفذ الله
تعالى وعده الكبير وحدد معالمه بقوله:
( وعد الله الذين امنوا وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض وليبدلنهم من بعد
خوفهم آمنا يعبدونني ولا يشركون بي شيئا). وان أحاديث الرسول جاءت تتماشى ومفهوم
هذه الآية حيث قال: يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي اسمه كاسمي وكنيته ككنيتي يملأ
الأرض عدلا كما ملئت جورا فذلك هو المهدي ([1])،
وقوله عن جابر بن عبد الله الأنصاري: فبعده ابنه الحسن يدعى العسكري فبعده ابنه
محمد يدعى بالمهدي والقائم والحجة فيغيب ثم يخرج فإذا خرج يملأ الأرض قسطا وعدلا
كما ملئت جورا وظلما ([2]).
لقد ثبتت ولادته سنة 255 هـ وهو محمد بن
الحسن العسكري الثاني عشر إماما من أئمة الهدى. وانه غاب غيبة صغرى وانتهت بوفاة
الوكيل الرابع للإمام وهو علي السمري، المتوفى سنة 329 هـ وما يؤكد ذلك معاصريه
هم: -
1. الإمام أبي
الحسن مسلم المعروف بصحاحه المتوفى سنة 261 هـ عندما كان عمر الإمام الست سنوات
وقد أشار إليه بصحاحه ج1، ص94، وكذلك البخاري المتوفى سنة 256 هـ.
2. وجود وكلاء
للإمام تناوب عليها أربعة وكلاء وهم: الأول عثمان بن سعيد العمري والثاني محمد بن
عثمان الخلاني المتوفى سنة 305 هـ والثالث الحسين بن روح النوبختي المتوفى سنة 326
هـ وأخيرهم علي السمري المتوفى سنة 329 هـ ومهام هؤلاء تسهيل مهام الإمام في نشر
الدعوة المحمدية من خلال مذهب آل بيت الرسول في إطار العمل السري.
3. وجود الوكلاء المنافسون للأربعة المذكورين أنفا
والذين سُموا بالمزيفين ومنهم أبو محمد الشريعي واحمد بن هلال الكرخي وأبو بكر
محمد بن احمد بن عثمان وهو ابن أخ الوكيل الثاني ومحمد بن علي الشلمغاني وأصبح
الوكيل الثاني لفترة محدودة والحسين بن منصور الحلاج، وهؤلاء لهم مناظرات ومقالات بالغيبة
([3])..
وهم تقاة ورعون صالحون.
ثانيا: عن غيبته الكبرى وعدم وفاته
فان كثيرا من علماء المسلمين اعتقدوا بان المهدي
ما يزال حيا وسيظهر في آخر الزمان ومن هؤلاء القندوزي الحنفي في كتباه ينابيع المودة،
كما وان القران الكريم لا ينفي هذا الافتراض بمفهوم الرجعة، حيث ذكر أن الله أمات
عزير مائة عام ثم بعثه فينظر إلى طعامه وشرابه لم يتسن والى حماره كيف ينشر الله
عظامه ويكسوها لحما وان عيسى (ع) ولد من غير نُطفة الذكر وانه حي لم يمت وان الله
آمات أصحاب الكهف ثلاثة قرون وازدادوا تسعا ثم بعثهم، الم يكن الله قادر على
الرجعة بعد أن أنشأها أول مرة.
وقد أكد الرسول
(ص) بحديثه عن أبي هريرة الذي أخرجه مسلم بصحاحه، جزء (1)، صفحة (93-95): والذي
نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم (ع) حكما ومقسطا فيكسر الصليب ويقتل
الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، وعن أبن عينه: إماما مقسطا
وحكما عدلا. وكذلك عن أبي هريرة قال الرسول (ص): كيف أنتم أذا نزل ابن مريم فيكم
وإمامكم منكم.
نستخلص من ذلك إن البشارة بظهور المهدي من
ولد فاطمة في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا جاءت بوجه
اليقين عن النبي (ص) كما أسلفنا. وهي ليست بالفكرة المستحدثة عند الشيعة دُفع
إليها انتشار الظلم والجور فحلموا بظهور المنقذ الذي يطهر الأرض من الرجس والظلم،
كما وإنها ليست من شائعات أهل السنة وابتكاراتهم كما يدعي البعض. ولولا ثبوتها عن
النبي (ص) لما ادعت بعض الفرق كالكيسانية وكذلك من العباسيين والعلويين بالمهدوية.
حيث ظهر كذب ادعاءاتهم بمقالات الشيعة الامامية وماتت تلك الادعاءات بزمن ظهورها،
لأنها بنيت على أساس نيل السلطة والحكم، غير أن الشيعة الامامية تعتقد أن هذا
المصلح المهدي هو شخص معين معروف وله تاريخ ولادة وما يزال حيا ألا وهو محمد بن
الحسن العسكري. غير إن انتظارنا لهذا المصلح لا يعني أن يقف المسلمون مكتوفي
الأيدي فيما يعود إلى الحق من دينهم وما يجب عليهم من نصرته والجهاد في سبيله
والأخذ بإحكامه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل يجب العمل بما انزل من
الأحكام الشرعية فلا يجوز له التأخير عن واجباته بمجرد الانتظار، فان هذا لا يسقط
تكليفا ولا يؤجل عملا ولا يجعل الناس
هملا.
الاتجاه الثاني: وما هو تفسير فكري
معاصر للعقيدة.
الرؤية الحداثية
ما بين المهدوية والعولمة..
لا يهدف هذا الفصل
إلى إثبات عقيدة المهدوية من جديد، وإنما إلى قراءة أبعادها الحضارية والسياسية في
ضوء مفاهيم العصر الحديث، وما تطرحه الإنسانية اليوم من أسئلة حول العدالة
العالمية والحكومة الكونية ومستقبل الإنسان.
لذلك يمكن القول ان المهدوية تمثل أول عولمة إنسانية.
حيث يبدو ان رغبة البشر قوية جدا في الحصول
على حكومة عالمية بعد ان تأكد لهم ان فكرة وجود مُنقذ للبشرية هي فكرة عالمية
وتظهر بشكل واخر في المجتمعات الانسانية، لان جوهر الفكرة هو اظهار قيادة عالمية
تحكم العالم بالعدل وتقيم القانون وتخلص البشرية من ويلات الحروب والمجاعات. وان
هذا الهدف كان ولا يزال من اهداف المصلحين والساسة والحكماء والفلاسفة في مختلف
العصور ، بل اليوم في العالم المتحضر يظهر اصراره على ضرورة ايجاد حكومة عالمية
بالرغم من اختلافهم في تسمية القائد الملهم الذي سيقود هذه الحكومة ، فمنهم من قال
بعودة المسيح روح الله الجامع لكل العلوم او في الديانة اليهودية من خلال التبشير
بالمسيح اليهودي او ما يبشر به المسلمون من ظهور المهدي الذي ورث من جده علوم
الاولين والأخرين او ما ذهب ماركس بالقول ان الطور الاشتراكي امر مؤقت زائل تحل
محله الشيوعية بفضل قيادة مخلصة وواعية وهو لم يختلف في اسلوبه التبشيري الذي
اعتمدته الانبياء ، بل زعم ان الناس لشدة ولعهم بالفضائل في مرحلة الشيوعية فانهم
لم يحتاجوا إلى المال ولا إلى المؤسسات الرأسمالية بل يصل بهم الحال إلى الاستغناء
عن القيادة فتذوب الحكومة من تلقاء نفسها . فقد ذهب بعيدا في الغيبيات
والميتافيزيقية فكيف يكون ذلك وهو الذي يمثل الفكر المادي والواقعي؟ او ان دعوة
الغرب لحكومة عالمية ضمن مفهوم العولمة ما هي الا دعوة كاذبة لأنها في حقيقة الامر
هي تدعو لدعوة سياسية واقتصادية لترسيخ هيمنة الغرب الرأسمالي وجعلها حكومة أستلاب
عالمي مستغلة لأننا نشك ان للمترفين والمتحكمين بهذا النظام أي مصداقية.
من هنا يظهر خطأ القول ان فكرة المهدوية هي
فكرة دينية غيبية لأننا نرى ان القران استخدم المصطلحات الدنيوية والواقعية
بشأنها، في حين استخدم الايمان بالغيب كوصف الاخرة، اما قوله تعالى: ((يومئذ
يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الاصوات للرحمن فلا تسمع الا همسا)). والذي يبدو
منها ان امرا يقع في الارض قبل القيامة بأمد طويل ولا يقصد هنا بيوم القيامة لان
الاصوات لا تخشع في يوم القيامة، بل تختم الافواه كقوله: ((اليوم نختم على
افواههم)). وكذلك الحال بقوله: ((ولا تسمع إلا همسا)) لان في يوم القيامة يكون
كقوله تعالى: ((لا يتكلمون الا من اذن له الرحمن وقال صوابا)) كما وان كلمة الداعي
لا تستخدم في القران الكريم الا للدعوة إلى دين الله في دار التكليف وليس في يوم
القيامة لأنه في هذا اليوم يساقون الناس سوقا دون ان يتبعوا احداً. فإذن أن الداعي
الذي لا عوج له لا يكون الا المُهدي الذي يدع الناس إلى دين الاسلام ويدخل الملل
كلها إلى ملته فتكون ملة واحدة. ومن هذا يفهم ان المهدوية إمكانية النظر اليها بوصفها
تصورًا مبكرًا لوحدة إنسانية عالمية قائمة على العدل.
وعليه فأننا نحتاج إلى حكومة عالمية مترسخة
ولا تضعف ولن يدع أحد ان سيلغي التعامل بالأوراق النقدية او يلغي دولة القانون
والمؤسسات، بل يصنع مجتمعا فاضلا يسوده العدل وتزول منه الطبقية البغيضة وتتحقق
المساواة كل حسب قدرته وعلميته. ويكون هدف العولمة تهيئة الاجواء العالمية لمرحلة
اقتصادية – اجتماعية وسياسية تتميز بتداخل المصالح والادوار الاقتصادية سواء كانت
منها المحلية او العالمية وابعاد الاسباب التي تؤدي الى الصراعات بين الحضارات
وعدم فرض قيم الاقوى وعولمتها على الاخر فتكون العولمة في هذه الحالة آداة وليست
غاية يكون الغرض منها الغزو والاستهداف والتدمير.. عندها يكون من الضروري بناء
عولمة انسانية مبنية على قيم التضامن الانساني والحفاظ على البيئة وتوزيع عادل
لثروات الكون وتفعيل قيم الدمقراطية وحقوق الانسان ونبذ كل ما هو آباحي الذي يحط
من القيم الاخلاقية للإنسان الذي هو أثمن رأسمال في العالم ويفترض انه ليس من
العدل ان يكون القائد هو الذي سيضع ذلك، بل المجتمع نفسه حينما يصل إلى مرحلة
متقدمة من ممارسة حقه في الاختيار بكل حرية والسمو في الوعي الديني والفكري ولا
يخضع للجمود.. وقد تبين ان بعض الاتجاهات الفكرية الشيعية المعاصرة تميل إلى التوفيق بين
العقيدة الدينية ومتطلبات الحداثة من خلال تفسيرها لمعنى الاجتهاد الذي تمثل في: تلين النص وتطويعه للحياة
ومده في المرتقى الحضاري شريطة عدم الخروج عن النص او الغائه او الانحراف عنه او
تأويله لذلك جعلت ذلك الاجتهاد مفتوحا. ولعل هذا المنهج في الموازنة بين الثبات
والتجدد يقترب، من زاوية فلسفية، من بعض التصورات الحديثة التي سعت إلى التوفيق
بين المبادئ الكلية ومتطلبات الواقع المتغير، وهي إشكالية شغلت عددًا من الفلاسفة
الأوروبيين في العصور الحديثة ومنهم ما تحدث عنه العالم الالماني ديكارت بعد سنين
طويلة من نشوء هذه الحركة ضمن نظرية التعيين واللاتعيين وكان الغرض منها الوصول
إلى الهدف دون حصول انحرافات وتحاشيا من انهيار المبادئ والطعن بها وتكون اكثر
انسجاما مع التطور الاجتماعي ضمن اطار اصل العقيدة التي اختصت بها والذي من
المفترض عدم اللجوء إلى مناظرتها والتفلسف فيها مما يجعلنا في نقاش بيزنطي لا جدوى
منه ويبعدنا عن تحقيق سعادة الانسان في الارض وبالتالي سعادته في الاخرة . وعلى
هذا الاساس نجد ان التشيع كحركة فكرية سياسية انضوى تحت لوائها المستضعفون
والمستغلون بعد ان استوعبوا مفهوم اصل الدين وهضموا معنى الغيب فتمثل ذلك بالطليعة
المنتخبة منذ الفجر الاول للإسلام بقيادة الامام علي بن ابي طالب (ع) ورهطه ابو ذر
الغفاري وعمار بن ياسر وسلمان الفارسي والمقداد بن الاسود وحذيفة بن اليمان وهم
يمثلون النخبة الثورية التي قارعت الظلم والاستغلال من خلال فضح اعمال المترفين
غير المشروعة الذين آَثروا على حساب دماء الفقراء ، لذلك فان المهدوية بمفهومها
العولمي تمثل حاجة حقيقية وواقعية ولا يشك احد في تحقيقها بالشكل الذي عبرنا عنها
انفا .
قراءة نقدية في مبحث "المهدوية
والعولمة"
يتميز هذا المبحث
بمحاولة جادة للجمع بين الرؤية العقائدية الإسلامية والرؤية الفكرية المعاصرة، إذ
لا يكتفي بعرض مفهوم المهدوية بوصفه عقيدة دينية ترتبط بآخر الزمان، بل يسعى إلى
استكشاف أبعاده الحضارية والإنسانية وربطه بإشكالية العدالة العالمية وفكرة
الحكومة الكونية التي شغلت الفلاسفة والمصلحين عبر التاريخ.
وتكمن قوة المبحث في
قدرته على الانتقال من السرد التراثي إلى التحليل الفكري دون الانقطاع عن الجذور
الدينية للفكرة، كما يبرز فيه حرص الكاتب على تأكيد البعد العملي للمهدوية بوصفها
مشروعاً للإصلاح الإنساني لا دعوة إلى السلبية أو انتظار الحلول الغيبية. وقد نجح
في توظيف عدد من الشواهد الدينية والتاريخية والفكرية لإسناد رؤيته، الأمر الذي
منح النص بعداً حوارياً يتجاوز حدود الجدل المذهبي التقليدي.
ومن الناحية المنهجية،
يطرح المبحث قراءة تأويلية حديثة للمهدوية، تقوم على استنطاق التراث في ضوء أسئلة
العصر، وهو اتجاه فكري مشروع ما دام يميز بين النص الديني الثابت وبين الاجتهاد
البشري المتغير في فهمه وتأويله. كما أن الربط الذي أقامه الكاتب بين المهدوية والعولمة
الإنسانية يعكس نزعة فكرية تسعى إلى البحث عن المشترك الإنساني في مواجهة مشاريع
الهيمنة والاستلاب.
أما من الناحية
الأسلوبية، فقد اتسم النص بلغة تجمع بين الطابع البحثي والنفس التأملي، الأمر الذي
أضفى عليه حيوية فكرية واضحة، وإن كانت بعض المواضع تحتاج إلى مزيد من الاختصار أو
التوثيق الأكاديمي لتعزيز قوة الاستدلال.
وبوجه عام، يمثل هذا
المبحث محاولة فكرية متميزة لإعادة قراءة مفهوم المهدوية خارج الأطر التقليدية،
وتقديمه بوصفه رؤية أخلاقية وحضارية تتطلع إلى تحقيق العدالة والكرامة الإنسانية
على مستوى العالم، وهي قراءة تستحق الاهتمام والنقاش لما تثيره من أسئلة عميقة حول
الدين والحداثة ومستقبل الإنسان.
[1]
أخرجه ابن داود في سننه، ج2، ص422.
[2]
ينابيع المودة، ص433.
[3]
الغيبة الصغرى للإمام محمد صادق الصدر.
تعليقات
إرسال تعليق