همسات العابر في عالم قصائد الهايكو


 

همسات العابر في عالم قصائد الهايكو

بقلم الكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي

مقدمة تمهيدية

    في هذه النصوص لا يسعى الهايكو إلى رواية الحكاية، ولا إلى تفسير العالم، بل يكتفي بأن يضع القارئ أمام لحظة خاطفة تبدو عابرة، لكنها تحمل في أعماقها ما هو أبعد من المشهد نفسه. فصوت طائر، أو ضباب يتسلل من فجوات جسر خشبي، أو ظل يدٍ يسبق صاحبه إلى زر الإضاءة، كلها تفاصيل صغيرة، غير أن الصمت المحيط بها يمنحها قدرة على إثارة التأمل وكشف ما يختبئ خلف الأشياء اليومية من إحساس خفي بالزمن والعزلة والتحول.

    هذه المجموعة لا تنظر إلى الطبيعة بوصفها منظرًا خارجيًا فحسب، بل بوصفها مرآة دقيقة لانفعالات الإنسان وهواجسه العابرة. فهدير الأمواج، وضوء الصباح، ورفرفة العثة، ونقرات نقار الخشب البعيدة، تتحول جميعها إلى إشارات داخلية تلامس القلق والوحشة والحنين والإصغاء العميق للعالم.

    لقد نشأ الهايكو في الأصل بوصفه فنًّا يقوم على الاقتصاد اللغوي والتقاط اللحظة العابرة، غير أن هذه النصوص تحاول أن تتحاور مع تلك الروح من خلال حساسية أخرى، تمتزج فيها مراقبة الطبيعة بالتأمل الإنساني الهادئ، دون أن تفقد بساطتها أو انفتاحها على المعنى. إنها محاولة للإنصات إلى ما تقوله الأشياء الصغيرة حين يخفُّ ضجيج العالم؛ حيث يصبح الفراغ جزءًا من النص، ويغدو الصمت امتدادًا للكلمات، وتتحول اللحظة العابرة إلى أثرٍ طويل في الذاكرة.

أولًا: أصوات الطبيعة البعيدة

نغمة طائر العقعق

يسقط نصفها

لتختلط بهدير الامواج

***

ضباب الربيع المبكر

تسمع قعقعة دلاء الحليب

من عمق الوادي

***

 تسمع نقرات  

نقار الخشب من بعيد

ترتفع وتيرة القلق

***

أوصد الشباك

يخف صوت البحر

متراجعا

***

 ثانيًا: العابرون والوحدة

حافلة ثابتة

تتحدث أحداهن قائلة

نزور أماكن داخل أماكن

***

ما من نقود

من أجل المغني المتجول

أتجاهله

***

ثالثًا: الضوء والظل

يبلغ ظل يدي

زر الإضاءة

أولا

تغرب الشمس عديمة اللون

ينتهي المساء في الجبال

أكثر برودة

***

ضياء الصباح

ثمة شابة وحيدة

في محطة الحافلات

***

رابعًا: الأرض والماء

تبدو مسارات الجواميس

أكثر عمقا

على مقربة من بركة الماء

***

تمتد السهول منبسطة

فوق هذه الأرض

المتروكة

***

 يموج المد والجزر

المقبل

عرض النهر

***

خامسًا: تحولات المساء والبرد

في المساء

يتسرب الضباب من خلال

الفتحات الموجودة في الجسر الخشبي

***

 تلازم النار التي نشبت

في الليل البارد

الخشب المحترق

***

 تغرب الشمس عديمة اللون

ينتهي المساء في الجبال

أكثر برودة

***  

سادسًا: جهة الريح

يطير الغراب

بإزاء الزرقة

وجهة الريح

***

 حامل مجددا …

رفرفة أجنحة العثة

بإزاء النافذة

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

عواطف مكبوتة قصة قصيرة.. رحلةٍ رمزيةٍ داخل متاهة الذات