العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

 


لفت انتباهي من خلال مقالة الدكتور مصطفى محمود الذي كان يبحث بكتاب عنوانه "اللغة العربية أصل اللغات".. للمؤلفة تحية عبد العزيز إسماعيل أستاذة متخصصة في علم اللغويات، لاحظ الألفاظ المشتركة بين اللغة العربية والإنجليزية، وبين العربية واللاتينية، وبين العربية والأنجلوساكسونية، وبين العربية والفرنسية، وبين العربية والأوروبية القديمة، وبين العربية واليونانية، وبين العربية والإيطالية، وبين العربية والسنسكريتية، ليشهد هذا الشارع العربي المشترك الذي تتقاطع فيه كل شوارع اللغات المختلفة، وهذا الكم الهائل المشترك من الكلمات رغم القارات والمحيطات التي تفصل شعوبها بعضها عن بعض، فانبرى عني سؤالا:
لماذا خرجت المؤلفة بالنتيجة القاطعة أن اللغة العربية كانت الأصل والمنبع، وإن جميع اللغات كانت قنوات وروافد منها؛ فكان جوابها: أن السبب الأول هو سعة اللغة العربية وغناها وضيق اللغات الأخرى وفقرها النسبي؛ فاللغة اللاتينية بها سبعمائة جذر لغوي فقط، والسكسونية بها ألفا جذر! بينما العربية بها ستة عشر ألف جذر لغوي، يضاف إلى هذه السعة سعة أخرى في التفعيل والاشتقاق والتركيب. وعلى سبيل المثال:
ففي الانجليزية مثلا لفظ Tallبمعنى طويل والتشابه بين الكلمتين في النطق واضح، ولكن نجد أن اللفظة العربية تخرج منها مشتقات وتراكيب بلا عدد (طال يطول وطائل وطائلة وطويل، وطويلة، وذو الطول، ومستطيل.. إلخ، بينما اللفظ الإنجليزي Tall لا يخرج منه شيء. وكذلك لفظة مثل Good بالإنجليزية بمعنى جيد بالعربية، وكلاهما متشابه في النطق، ولكن نجد كلمة جيد يخرج منها الجود والجودة والإجادة ويجيد ويجود وجواد وجياد... إلخ، ولا نجد لفظ Good يخرج منه شيء!
ثم نجد في العربية اللفظة الواحدة تعطي أكثر من معنى بمجرد تلوين الوزن.. فمثلا قاتل وقتيل وفيض وفيضان ورحيم ورحمن ورضى، ورضوان، وعنف، وعنفوان.. اختلافات في المعنى أحيانا تصل إلى العكس كما في قاتل وقتيل، وهذا التلوين في الإيقاع الوزني غير معروف في اللغات الأخرى.. وإذا احتاج الأمر لا يجد الإنجليزي بدا من استخدام كلمتين مثل Good & Very Good للتعبير عن الجيد والأجود
كما هناك ميزة ينفرد بها الحرف العربي لا يوجد في بقية اللغات وهو أن الحرف العربي بذاته له رمزية ودلالة ومعنى.. فحرف الحاء مثلا نراه يرمز للحدة والسخونة.. مثل حمى وحرارة وحر وحب وحريق وحقد وحميم وحنظل وحريف وحرام وحرير وحنان، وحكة، وحاد، وحق.. كما هناك حرفا اخر مثل الخاء يرمز إلى كل ما هو كريه وسيئ ومنفر، ويدخل في كلمات مثل: خوف وخزي وخجل وخيانة وخلاعة وخنوثة وخذلان وخنزير وخنفس وخرقة وخلط وخبط وخرف وخسة وخسيس، وخم وخلع وخواء.. فمثلا الطفل إذا لمس النار قال.. أخ، ونرى الكبير إذا اكتشف أنه نسي أمرا مهما يقول: "أخ"؛ فالنسيان أمر سيئ، وهذه الرمزية الخاصة بالحرف والتي تجعله بمفرده ذا معنى هي خاصية ينفرد بها الحرف العربي.. ولذا نجد سور القرآن أحيانا تبدأ بحرف واحد مثل: ص، ق، ن، أو، ألم.. وكأنما ذلك الحرف بذاته يعني شيئا.
ومثلا اخر تمتاز به اللغة العربية ان تؤلف جملا قصيرة جدا مثل "لن أذهب" ومثل هذه الجملة القصيرة يحتاج الإنجليزي إلى جملة طويلة ليترجمها فيقول I shall not go ليعني بذلك نفس الشيء؛ لأنه لا يجد عنده ما يقابل هذه الرمزية في الحروف التي تسهل عليه الوصول إلى مراده بأقل كلمات.
وإذا ذهبنا نتتبع تاريخ اللغة العربية ونحوها وصرفها وقواعدها وكلماتها وتراكيبها فسوف نكتشف أن نحوها وصرفها وقواعدها وأساليب التراكيب والاشتقاق فيها ثابتة لم تتغير على مدى ما نعلم منذ آلاف السنين، بالرغم من اتساعها وظهور لهجات متعددة الا انها ظلت محافظة على كيانها وهيكلها وقوانينها ولم تجرِ عليها عوامل الفناء والانحلال أو التشويه والتحريف، وهو ما لم يحدث في اللغات الأخرى التي دخلها التحريف والإضافة، والحذف، والإدماج والاختصار.. فمثلا اللغة الألمانية القديمة نجد لغة فصحى خاصة بالشمال غير اللغة الفصحى الخاصة بالجنوب.. ونفس الشيء في اللاتينية وأنواعها في اليونانية وفي الأنجلوسكسونية، نجد التطور يؤدي إلى التداخل والإدماج والاختصار والتحريف والتغيير في القواعد.
كما نجد في اللغة العربية مترادفات لا نجدها في اللغات الأخرى، مثلا للأسد العديد من الأسماء؛ فهو الليث والغضنفر والسبع والرئبال والهزبر والضرغام والضيغم والورد والقسورة... إلخ ولذلك يمكننا القول ان الفقير يأخذ من الغني.. فاللغة العربية هي الغنية في سعتها وضيق في اللغات الأخرى كما اوضحنا أعلاه.
ومن الطبيعي أن تأخذ اللاتينية والسكسونية والأوروبية واليونانية والسنسكريتية من العربية، وأن تكون العربية هي الأصل الأول لجميع اللغات، وأن تكون هي التي أوحيت بقواعدها وتفعيلاتها وكلماتها إلى آدم كما قال القرآن: {وعلم آدم الأسماء كلها}.
ولهذا اختار الله اللغة العربية وعاء للقرآن؛ لأنه وعاء محفوظ غير ذي عوج، وامتدح قرآنه بأنه {قرآنا عربيا غير ذي عوج}. ولكن هناك اية تقول: وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه. الم يعني ان بقية اللغات قد اختارها الله؟
كل ما تقدم جاء من خلال التأمل اللفظي لكلمة (كهف) فنجدها بنفس اللفظ في الإنجليزية (cave) وفي الفرنسية (cave) وفي الإيطالية (cava) وفي اللاتينية (cavus).
التحليل الجدلي للمقالة
هذه المقالة تحمل طرحًا مثيرًا للاهتمام حول اللغة العربية، لكنها تخلط بين بعض المفاهيم اللغوية والتاريخية، مما يستدعي مراجعة دقيقة.
1- الآية: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه" (إبراهيم: 4)
الآية واضحة في بيان أن كل رسول بُعث بلغة قومه ليفهموا رسالته. وبالتالي، لم يكن اختيار العربية للقرآن بسبب تفوقها على اللغات الأخرى، بل لأن النبي محمد ﷺ أُرسل إلى قوم يتحدثون العربية. وهذا يؤكد أن الله اختار لغات أخرى لرسالات أخرى، مما ينفي فكرة تفوق العربية جوهريًا على غيرها من اللغات.
2- هل العربية أصل اللغات؟
- اللغات السامية (العربية، العبرية، الآرامية...) الادعاء بأن العربية هي أصل كل اللغات يستند إلى التشابهات بين بعض الكلمات في اللغات المختلفة، لكن هذا لا يعني أن العربية هي المنبع الأول. علم اللغويات الحديثة يثبت أن اللغات تتطور عبر العصور وتتشارك في أصول مشتركة. هناك عائلات لغوية، مثل:
- اللغات الهندوأوروبية (الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية...)
- اللغات الطورانية (التركية، الفارسية...)
- اللغات السنسكريتية ( الهندية والأردية والبنغالية والبنجابية والنيبالية).
تشابه بعض الكلمات مثل "كهف" و"Cave" لا يعني أن اللغات الأوروبية أخذت من العربية، بل يعود ذلك إلى جذر مشترك قديم أو إلى الاقتراض اللغوي المتبادل.
3- غنى العربية وتفوقها الاشتقاقي
لا شك أن العربية تمتلك نظام اشتقاق غني مقارنة ببعض اللغات الأوروبية، لكن هذا لا يعني أن اللغات الأخرى "فقيرة" أو أنها "استعارت" كل شيء من العربية. اللغات تطورت وفق احتياجات محدثيها. على سبيل المثال، الإنجليزية تعتمد على التراكيب أكثر من الاشتقاق، لكن هذا لا يجعلها لغة أقل كفاءة.
4- ثبات العربية مقارنة باللغات الأخرى
القول بأن اللغة العربية لم تتغير منذ آلاف السنين غير دقيق. صحيح أن العربية الكلاسيكية حافظت على قواعدها بسبب القرآن، لكن اللهجات العربية تغيرت كثيرًا، وهناك فروق واضحة بين العربية الفصحى واللهجات المختلفة. في المقابل، تغيرت اللغات الأوروبية لكنها لم تفقد وظيفتها أو غناها.
5- الاستنتاجات المبالغ فيها
المقالة تربط بين تفوق العربية وكونها "لغة الوحي"، وهذا تفسير غير موضوعي. القرآن لم ينزل بالعربية لأنها الأفضل، بل لأنها لغة النبي محمد ﷺ وقومه. ولو كان العامل هو التفوق، فلماذا لم يكن التوراة والإنجيل بالعربية أيضًا؟
الخلاصة
العربية لغة عظيمة، لكنها ليست بالضرورة "أصل" كل اللغات. اختيار الله للعربية للقرآن كان لحكمة تتعلق ببيئة الرسالة وليس لتفوق العربية على اللغات الأخرى. أما مسألة التشابهات بين اللغات، فهي ناتجة عن تداخل الحضارات والتطور الطبيعي للغات، وليس دليلاً على أن كل اللغات نشأت من العربية. وعلى سبيل المثال، مقارنة العربية بالسنسكريتية أمر مثير للاهتمام، لأنهما تنتميان إلى عائلتين لغويتين مختلفتين تمامًا:
- العربية تنتمي إلى اللغات السامية (مثل العبرية والآرامية).
- السنسكريتية تنتمي إلى اللغات الهندوأوروبية، وتعدّ الجذر المشترك للغات الهندية مثل الهندية والأردية والبنغالية.
أوجه التشابه بين العربية والسنسكريتية
رغم اختلاف الأصل، هناك بعض التشابهات بسبب التأثيرات التاريخية والثقافية، ومنها:
1. التشابه الصوتي والنطقي
- تحتوي كلتا اللغتين على أصوات حلقية نادرة في اللغات الأوروبية مثل الحاء والخاء والغين في العربية، التي تقابلها في السنسكريتية gh, kh, dh.
2. النظام الصرفي والاشتقاقي
- كلتا اللغتين تعتمدان على نظام الجذور في بناء الكلمات، مثل جذر كتب في العربية الذي ينتج "كاتب، مكتوب، كتاب"، وهو مشابه في السنسكريتية حيث جذر गम् (gam) يعني "ذهب" ويتحول إلى गच्छति (gacchati) "يذهب".
3. وجود اشتقاقات متعددة للكلمة الواحدة
- مثلما تمتلك العربية كلمات متعددة لنفس المفهوم (مثل الأسد: ليث، ضرغام، سبع)، كذلك السنسكريتية تمتلك عشرات المرادفات لنفس الشيء، مثل "الماء" الذي له أكثر من 20 اسمًا مختلفًا.
4. النظام النحوي المعقد
- كلتا اللغتين تمتلكان إعرابًا واضحًا يحدد وظيفة الكلمة في الجملة، على عكس اللغات الحديثة التي تعتمد على ترتيب الكلمات أكثر من التشكيل.
العربية وتأثيرها في الأردية
- اللغة الأردية تطورت في الهند نتيجة تفاعل الفارسية والعربية مع السنسكريتية، خصوصًا خلال فترة الحكم الإسلامي في الهند (مثل المغول).
- الأردية تستخدم الأبجدية العربية مع بعض التعديلات وتحتوي على عدد كبير من الكلمات العربية والفارسية.
- رغم ذلك، قواعد الأردية أقرب إلى الهندية، لأن اللغتين متفرعتان من السنسكريتية.
الخلاصة
رغم أن السنسكريتية والعربية تنتميان لعائلتين لغويتين مختلفتين، هناك تشابهات بسبب النظام الاشتقاقي والصوتي. أما الأردية، فهي مزيج بين الفارسية والعربية والسنسكريتية، مما يجعلها لغة ذات طابع عربي لكنها بجذور هندية. وكذلك الحال بالنسبة للغة البنجابية والنيبالية، حيث يبدو ان اللغة البنجابية والنيبالية تنتميان أيضًا إلى عائلة اللغات الهندوأوروبية، وتحديدًا إلى الفرع الهندي الآري، وهو نفس الفرع الذي تنتمي إليه الهندية، الأردية، والبنغالية.
موقع البنجابية والنيبالية ضمن العائلة اللغوية
1. البنجابية:
- لغة يتحدث بها سكان إقليم البنجاب في الهند وباكستان.
- تأثرت بالعربية والفارسية، خاصة في مفرداتها، بسبب الفتح الإسلامي لشبه القارة الهندية وتأثير اللغتين الفارسية والعربية من خلال الحكم المغولي والإداريين المسلمين.
- تستخدم الأبجدية الغورموخي في الهند، والشاه مكهي (المشتقة من العربية والفارسية) في باكستان.
2. النيبالية:
- اللغة الرسمية في نيبال، وتنتمي إلى الفرع الهندوآري لكنها تأثرت أيضًا بلغات التبت والهملايا. كما دخلت إليها كلمات عربية وفارسية عبر التأثير الإسلامي في شبه القارة الهندية، والتعامل مع التجار المسلمين والاتصالات الثقافية.
التأثير العربي على البنجابية والنيبالية
- تأثرت اللغتان، مثل الهندية والأردية، بالمفردات العربية والفارسية، خاصة في المجالات الدينية، الإدارية، والثقافية.
- في البنجابية، الكلمات العربية جاءت بشكل أكبر عبر التأثير الإسلامي المباشر، خاصة في باكستان.
- في النيبالية، التأثير كان أقل لكنه موجود عبر التفاعل مع الحضارات الإسلامية المجاورة.
بالتالي، كل من البنجابية والنيبالية تقع ضمن اللغات الهندوأوروبية الهندوآرية، لكنها تأثرت جزئيًا بالعربية والفارسية نتيجة التفاعل الحضاري والتاريخية.
عدنان الطائي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

الإبراهيمية: بين دعوة التعايش ومشروع التطبيع