اللا مُنتمي قصيدة صوفية

 


مقدمة تمهيدية

   في لحظاتِ التِّيهِ الكبرى، حين يشعر الإنسان أنّه غريبٌ عن العالم، وأنّ الأرصفةَ لا تحفظ خطاه، وأنّ المدنَ تعجز عن احتواء روحه، يبدأ البحثُ عن انتماءٍ آخر… انتماءٍ لا تحدّه الجغرافيا، ولا تُقيّده الأسماء. وهكذا تتحوّل الروح إلى طائرٍ مهاجرٍ نحو المطلق، تبحث عن ذاتها في الحب، وعن خلاصها في الذوبان داخل المعنى الأسمى. هذه القصيدة ليست حديثَ عشقٍ عابر، بل مناجاةٌ صوفيةٌ تتأرجح بين الاغتراب والانصهار، بين وجع اللّا انتماء، والرغبة في التلاشي داخل نورٍ يُعيد للروح طمأنينتها. إنها رحلةُ إنسانٍ قادمٍ من عتمة الأسئلة، يحمل قلبه كقنديلٍ مرتجف، ويطرق أبواب الروح باحثًا عن يقينٍ يشبه الحب، وعن حبٍّ يشبه الخلاص.

عدنان مهدي الطائي

 

اللا مُنتمي

سَيِّدِي،
عَلِّمْنِي كَيْفَ أَذُوبُ فِيكَ عِشْقًا،
وَكَيْفَ أَتَلَاشَى فِي رُوحِكَ حُبًّا،
لِأَكْتُبَكَ بِمِدَادِ دَمِي،
وَأَخْتِمُكَ عَلَى شَغَافِ قَلْبِي،
وَأَنْثُرَكَ عَلَى أَوْرَاقِي،
وَأُسَجِّلُكَ عَلَى حَوَافِّ الهَوَاءِ النَّقِيِّ،
وَأَمْزُجَكَ بِعِطْرِ البَنَفْسَجِ،
وَأَرْفَعُكَ فَوْقَ السَّحَابِ العَلِيِِِّ،
وَأُهَمْهِمَ بِكَ مَعَ الرِّيحِ،
فِي كُلِّ قَطْرَةٍ مِنْ قَطَرَاتِ المَطَرِ النَّدِيِّ.

أُحِبُّكَ...
مَهْمَا عَانَدَنِي القَدَرُ،
أَوْ عَبَثَ بِي السَّهَرُ،
فَأَمَلٌ يَعاُودُنِي
فِي كُلِّ صَبَاحٍ نَدِيٍّ،
أَكُونُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى...
مِنْ غَيْرِ نَبِيٍّ.

رَغْمَ الأَنِينِ وَالجِرَاحِ،
رَغْمَ الأَعَاصِيرِ وَالرِّيَاحِ،
أُحَلِّقُ بَيْنَ الخَمَائِلِ وَالرُّبَى،
بِلَا دَمْعٍ يُبلّلُ مُقْلَتِي،
وَأَنْفُضُ عَنْكَ غُبَارَ اللَّاوُجُودِ.

أَرْتَمِي أَمَامَ قَدَمَيْكَ،

وأنحني
وَقَدِ اخْتَرْتُكَ عَالَمِي،
وَظِلَّ أَهْدَابِي،
وَنَبْضَ أَجْزَائِي.

أَنَا قَادِمٌ مِنَ اللّا مُنْتَمِي،
مِنْ عَالَمٍ لَمْ يَعْرِفْنِي،
إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَنْتَمِي.

فِيكَ أَنْتَشِي،
وَلِعَالَمِكَ أَنْصَهِرْ،
وَلِأَهْدَابِكَ أَنْحَنِي،
وَبِجَمَالِكَ أَرْتَقِي.

مَنْ ذَا يُكْفكِفُ دَمْعَتِي؟
مَنْ ذَا يُخَفِّفُ أَلَمِي؟
مَنْ يُذِيبُ الرُّوحَ فِي الجَسَدِ،
 غير سِوَاكَ،
يَا سَيِّدِي...

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

عواطف مكبوتة قصة قصيرة.. رحلةٍ رمزيةٍ داخل متاهة الذات