عظماء خلدهم التاريخ وجوهٌ لا تموت… لأن الفكرة لا تموت الحلقة الثانية: العالم والمفكر الآثاري العراقي طه باقر

 

عظماء خلدهم التاريخ

وجوهٌ لا تموت… لأن الفكرة لا تموت

الحلقة الثانية: العالم والمفكر الآثاري العراقي طه باقر

المؤرخ الذي أنصف الحضارات وقرأ الماضي بعين العلم

بقلم الباحث عدنان مهدي الطائي

   ليس كلُّ من يكتب التاريخ يصنع أثرًا فيه، فبعض المؤرخين يمرّون كالأسماء العابرة، بينما يبقى آخرون كأنهم جزءٌ من الذاكرة الإنسانية نفسها. ومن بين هؤلاء يبرز اسم عالم الآثار والمؤرخ العراقي الكبير طه باقر، الرجل الذي جعل من الحجارة الناطقة، والألواح الطينية، والرموز المسمارية، جسورًا تصل حاضر الإنسان بجذوره الأولى.

     ولد طه باقر في العراق عام 1912، ونشأ في بيئة أحبّت العلم والمعرفة، فمال منذ شبابه إلى دراسة التاريخ والآثار، حتى أصبح واحدًا من أبرز علماء الآثار في العالم العربي. أكمل دراساته العليا في علم الآثار واللغات القديمة، ثم عاد إلى العراق ليكرّس حياته للكشف عن تراث بلاد الرافدين، والعمل في التنقيبات الأثرية، والمساهمة في تأسيس مدرسة علمية عراقية رصينة في دراسة الحضارات القديمة.

    عمل في دائرة الآثار العراقية، وشارك في بعثات تنقيب مهمة، وأسهم في قراءة وترجمة العديد من النصوص المسمارية السومرية والأكدية، حتى أصبح اسمه مرجعًا علميًا في تاريخ العراق القديم وحضارات الشرق الأدنى. غير أن عظمة طه باقر لم تتجلَّ في التنقيب الأثري وحده، بل في مشروعه الفكري والثقافي الذي سعى من خلاله إلى تعريف القارئ العربي بالحضارات القديمة بلغة علمية واضحة وأسلوب أدبي راقٍ. وقد كان يؤمن أن الحضارة ملكٌ للإنسانية كلها، وأن دراسة الماضي ليست تمجيدًا للأجداد بقدر ما هي فهمٌ لمسيرة الإنسان وتطوره.

   ومن أبرز أعماله الخالدة كتابه الشهير مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة الذي يُعدّ من أهم المراجع العربية في دراسة الحضارات القديمة. ففي هذا العمل الموسوعي تناول حضارات وادي الرافدين ومصر القديمة وفارس والأناضول وغيرها، معتمدًا على الوثيقة الأثرية والمنهج العلمي بعيدًا عن التعصب والمبالغة.

   وقد تميز حديثه عن مصر القديمة بروح الباحث المنصف؛ فلم يقلّل من شأنها لصالح حضارات العراق القديم، بل قدّمها باعتبارها واحدة من أعظم الحضارات الإنسانية، بما حققته من تطور في العمارة والهندسة والطب، والفنون، والإدارة، والدين. وكان يرى أن حضارتي النيل ووادي الرافدين تمثلان جناحين أساسيين لبدايات الحضارة البشرية، وأن المقارنة بينهما يجب أن تقوم على الفهم العلمي لا على نزعات التفوق القومي.

   ومن أعماله المهمة أيضًا كتاب من تراثنا اللغوي القديم الذي يُعدّ من الدراسات الرائدة في تتبع المفردات السومرية والأكدية والبابلية وصلاتها باللغة العربية واللهجة العراقية. وفي هذا الكتاب كشف طه باقر عن الامتداد الحضاري العميق للغة، مبينًا كيف بقيت بعض الكلمات حيّة في الاستعمال الشعبي عبر آلاف السنين، وكأن الذاكرة اللغوية للعراق لم تنقطع منذ فجر الحضارة.

   كما كان له فضل كبير في تقديم الأدب الرافديني القديم إلى القارئ العربي، ولاسيما من خلال ترجمته الرائدة لـ ملحمة جلجامش، التي نقلها بأسلوب جمع بين الدقة العلمية والجمال الأدبي، فعرّف الأجيال العربية بإحدى أقدم الملاحم الإنسانية وأكثرها عمقًا في التأمل بأسئلة الموت والحياة والخلود.

ومن مؤلفاته ودراساته الأخرى:

  • من ألواح سومر، الذي تناول فيه نصوصًا سومرية مترجمة ودراسات عن الفكر والأسطورة والأدب في العراق القديم.
  • عشتار ومأساة تموز، وهو دراسة أدبية ودينية للأساطير الرافدينية القديمة.
  • دراسات متعددة في التاريخ واللغة والديانات والأساطير القديمة، أسهمت في ترسيخ الوعي العلمي بالحضارات العراقية والشرقية.

ولعلّ أكثر ما منح طه باقر مكانته الفكرية الرفيعة هو نزاهته العلمية؛ فقد ابتعد عن الخطاب الدعائي والعاطفي، واعتمد المنهج الأكاديمي القائم على الدليل والتحليل. لذلك جاءت كتاباته شاهدة على عقلية علمية عربية نادرة، استطاعت أن تنظر إلى الحضارات بوصفها إنجازًا إنسانيًا مشتركًا لا ميدانًا للتعصب والصراع.

   رحل طه باقر عام 1984، لكن أثره بقي حيًا في الجامعات والمكتبات ووعي الأجيال، لأنه لم يكن مجرد عالم آثار يبحث عن الماضي، بل كان إنسانًا آمن بأن الحضارة الحقيقية تبدأ حين يحترم الإنسان تاريخ الآخرين كما يحترم تاريخه. وهكذا ظلّ اسمه واحدًا من أولئك العظماء الذين خلدهم التاريخ، لأنهم خدموا الحقيقة أكثر مما خدموا أنفسهم.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

عواطف مكبوتة قصة قصيرة.. رحلةٍ رمزيةٍ داخل متاهة الذات