هذه هي قراءتي للموروث

من التدين.. لا من الدين

بقلم الباحث عدنان مهدي الطائي

اليهودية بين النص الديني والتشكل التاريخي: قراءة نقدية في الموروث والتدين

 هل اليهودية تعني عرقا، أم دينا، أم ماذا؟

لم ينزل الله شريعة باسم اليهودية وإنما انزل شريعة موسى التي أمر بكتابتها على العصائب ونقشها على أحجار المذبح باعتراف التوراة، وهذا يعني أنها كلمات لا تعدو اسطرا أو صفحات ألا وهي الوصايا العشرة المعروفة التي أشار إليها القران ضمن قوله تعالى في سورة الأنعام / 151-153. فنجد في هذه الآيات خمسة محرمات بصيغ النهي وخمسة واجبات بصيغ الأمر وهي أحكام لا تختلف باختلاف الأمم والعصور(حسب رأي محمد حسنين مخلوف في صفوة البيان في تفسير القرآن) وأن كلمة التوراة ، تعني في أصل اللغة ينبوعا وأطلق عليها المسيح ناموسا وقد تضخمت هذه الكلمات العشر بعد قرون عديدة وبالتحديد منذ بدء السبي البابلي سنة 586 قبل الميلاد واعتكف حاخامات اليهود أربعين عاما ليجعلوا من تلك الكلمات أو الأسطر مجلدا بنحو ألف صفحة وأعطوه التسمية نفسها والذي أصبح عبارة عن سرد تاريخ الأقوام السابقة وتثبيت أنسابها وحروبها بعضها مع بعض . وعلى هذا الأساس نظم اليهود فيه منهجا وضموا إليه شريعة موسى وحرفوها لصالحهم وأضافوا إليها الهامات المفكرين الذين سبقوهم من الخوارق والتنبؤات ليظهروا كونهم أقوام ذووا أصول عريقة وبحذلقة مكشوفة أوصلوا انتمائهم إلى إبراهيم الخليل عن طريق دور يعقوب الذي كان يسمى أيضا بـ (إسرائيل). وبعد فترات زمنية ليست بالبعيدة جاء التلمود شارحا لتوراتهم ليوهموا الناس بان العهد القديم شريعة منزلة من الله وان الوصايا العشر التي انزلها الله هي تخص الديانة اليهودية. وقد دللت آيات قرآنية على قدرة اليهود على التحريف منها قوله تعالى في سورة البقرة: ((فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله)). إذن فاليهودية ليست دينا سماويا ولا عرقا، وإنما تسمية جاءت بعد السبي البابلي لانتمائهم لمنطقة تواجدهم واتخذوها جنسية لهم ألا وهي مملكة (يهوذا) لأنهم ثلة من قبائل وشعوب متفرقة شتى. ولو كانت اليهودية دينا سماويا لكان كل ما ورد في كتبهم يتناسب وعظمة الله ومركز الأنبياء والرسل، بل انفردت تلك الكتب باحتكار الله لليهود فقط ونالوا من صفاته. والدليل الآخر على أن اليهودية ليست دينا سماويا هو القران الكريم حيث أُطلق على أولئك الذين أتبعوا موسى بـ(قوم موسى) تارة وتارة أخرى بـ (بني إسرائيل) لكونهم تدينوا بدين يعقوب ((إسرائيل)) دين أبيه إبراهيم الخليل وهذه التسمية جاءت في القرآن الكريم على سبيل الرضا من الله تعالى وليس الذم في حين جاء الذم منصبا على اليهود ، ومن هنا نستنتج بأن اليهود قوم غير قوم بني إسرائيل ، لأننا نعلم بأن القرآن الكريم لا يدنو منه الشك ، لا من بين يديه ولا من خلفه لكونه من لدن خبير حكيم ، فلا يصح عليه التناقض أو الاختلاف بدلالة قوله تعالى : (لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كبيرا) .

بعد أن بينا أن اليهودية ليست دينا سماويا فقد جاء التاريخ دوره ليثبت أن اليهود ليسوا من بني إسرائيل، أي ليسوا من نسب يعقوب كما يدعون زورا وبهتانا. فإذا ما تابعنا الأدوار التاريخية حسب تسلسلها الزمني لغرض إثبات ذلك يتوجب علينا أولا التمييز بين عصر إبراهيم الخليل ويعقوب ((إسرائيل)) وبين زمن قوم موسى وبين زمن مملكة يهوذا التي جاء منها تسمية ((يهود)). وذلك عن طريق جملة من الآليات والتي منها لمعرفة أنساب وأصول الأقوام هي اللغة والدين، لأن اللغة والدين شيء واحد (حسب رأي علماء اللسانيات). وعلى هذا الأساس يحسن بنا أن نلاحظ تسلسل هذه الأدوار بالقياس إلى اللغة والديانة حسب أزمانها. لقد تبين من المصادر التاريخية أن كتبة التوراة تعمدوا الخلط بين الأدوار فربطوا تلك العصور بعضها بعضا ربطا مفككا ومشوها متناسين بان الاكتشافات الأثرية ستثبت زيف ادعاءاتهم كما ستثبت بان تلك العصور مستقلة بذاتها تماما ولم يكن لليهود أي وجود فيها، فسعوا وما زالوا لحد الآن أن يجدوا سبيلا لوجودهم بين الأمم فعمدوا على إهمال التسلسل الزمني للأحداث لكي يلتبس الأمر على القارئ، واليكم أيها السادة الكرام موجز لهذه الأدوار:

1. دور إبراهيم وإسحاق ويعقوب وترجع حوادثه إلى القرنين التاسع عشر والثامن عشر  قبل الميلاد وهو عصر عربي بحت قائم بذاته بلغته وقوميته وديانته وهو مرتبط بالجزيرة العربية وبلغتها ألام وبقبائلها التي سميت فيما بعد بالعرب البائدة لانقراضها والذين نزحوا بالألف الثالثة قبل الميلاد ، وان إبراهيم الخليل من العشائر الآرامية النازحة  ، وقد نبه القران الكريم ذلك ، بربط صلة إبراهيم بالجزيرة العربية وبيت الله العتيق الذي هو أقامه وابنه إسماعيل وهذا ما سمي عصره بعصر (الآباء الجوالين) ، وليس بفلسطين التي كانت دار غربة له باعتراف التوراة / سفر التكوين بالقول : أنهم (غرباء وافدين طارئين على فلسطين) وان ديانة ابراهيم الخليل اتصفت بالتوحيد المطلق وان الإله الذي كان إبراهيم يدعو لعبادته هو ((أيل)) وهو رب العالمين جميعا وكتب على نفسه الرحمة وهو الإله المطلق ، بدليل أن أسم إبراهيم أقترن بهذا الإله وهو خليل أي خل – أيل أي صديق الإله  وكذلك أسم أبنه يعقوب (إسرائيل) وتعني أسرة – أيل أو تعني عبد الإله) وهذه الثقافة مازال العرب يمارسونها كقولهم عبد الله وعبد الرحمن وغيرها تيمنا بالله تعالى وكذلك انسحبت هذه التسمية على بني يعقوب ومن اتبعهم بـقولهم ((بني إسرائيل)) . 

2. دور موسى وجماعته ويبدأ في القرن الثالث عشر قبل الميلاد وهو عصر متصل بمصر قائم بذاته بلغته وثقافته وديانته ولا صلة له بدور إبراهيم الخليل. وإن الرأي الحديث لدى الباحثين هو أن موسى كان قائدا مصريا في بلاط الفراعنة وكان يتدين بدين التوحيد المطلق. وهؤلاء بطبيعة الحال يتكلمون اللغة المصرية وبها كلمهم موسى. فمن المرجح أن لغة الشريعة التي أنزلت على موسى باللغة المصرية وهي الهيروغليفية. كما أشار القران الكريم لهذه الحقيقة بقوله تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) سورة إبراهيم. وهذا لا يمنع من أن يكون الرسول عاما ولغته خاصة لغرض تحقيق الغاية من رسالته. لذلك يمكن تسميه هذا الدور بعصر الموسويين كما سماهم القرآن الكريم بقوم موسى.

3. أما دور اليهود والتي جاءت هذه التسمية في القرن السادس قبل الميلاد نسبة إلى مملكة يهوذا المسبية من قبل البابليين كما أسلفنا وهو عصر يهودي بحت قائم بذاته بلغته (أرامية التوراة) وهي لغة الكهنة ثم أصبحت تسمى العبرية وبقية اليهود يتكلمون لغة نفس الأقوام الذين تعايشوا معهم في بلدانهم. أما ديانتهم حيث كانوا يمارسون عبادة الأصنام قبل السبي، وبعد السبي أصبح لهم إله اسمه (يهو) وهو إله قبلي لا يمت بصلة لشعوب أخرى، بل هو اله البراكين ويتصف بالقسوة لا يهمه من العالم سوى اليهود الذين هم بقايا جماعة يهوذا المملكة المنقرضة (حسب رأي فيليب حتي في كتابه تاريخ العرب) حيث كانت أسماء ملوك اليهود تقترن بهذا الإله ومنهم يهوياكيم حاكم يهوذا وبعد وفاته حل محله يهوباكيت واعتبروا معبدهم معبدا قبليا أي خاص بهم.

نستخلص من الأدوار الثلاثة أعلاه بان عصر اليهود لا صلة له بعصر إبراهيم الخليل وأبنائه وكذلك لا صلة له بعصر موسى ولم يكن لليهود وجود في العصرين أصلا. لأنه عصر قائم بذاته بلغته (أرامية التوراة) وديانته التي هي أقرب من الشرك إلى التوحيد، فبالتأكيد أنهم ليسوا من بني إسرائيل. كما أوهموا الناس، بل أنفسهم باستعمال مصطلح (عبري) أو (عبيرو) للدلالة على اليهود بوجه عام، ولكن نسوا أن التاريخ هو مرآة الحياة وخازن لأحداثها ووقائعها، حيث تبين من استقراء الوقائع التاريخية بأنه اعتاد الكثير من المؤرخين سواء كانوا من الغرب أو من الشرق استخدام كلمة (عبري أو عبراني) بمعناها يهودي، وهو بغير معناها التي جاءت حسب المصادر القديمة، إذ كانت تطلق في نحو الألف الثانية قبل الميلاد على طائفة كبيرة من القبائل العربية الساكنون في شمال جزيرة العرب وبادية الشام. وكانت العبرية تعني عند هؤلاء آنذاك لغة أهل فلسطين الكنعانية ولغة كثير من القبائل في طور سيناء وفي شرق الأردن ومنهم العمالقة وتعني امة العرب والمديانيون، حتى أصبحت كلمة عبري مرادفة لابن الصحراء أو ابن البادية بوجه عام. وقيل أن هذه الكلمة وردت في المصادر المسمارية والفرعونية باسم (الابري والهبري والخبيرو والعبيرو) وكان هذا الاسم يطلق على بني إسرائيل (أبناء يعقوب)، ولم يكن لليهود وجود في ذلك الحين. لما وجد اليهود في القرن السادس قبل الميلاد كانوا هم أنفسهم يقولون عن العبرية إنها لغة كنعان (شفة كنعان) أي لسان كنعان (احمد سوسه ، العرب واليهود في التاريخ ) ثم انطوت الكلمة في الآرامية التي غلبت على القبائل جميعا بين فلسطين وسورية والعراق وعندئذ أصبحت كلمة (عبري) تشمل جميع الآراميين وكلهم عرب ساميون نزحوا من موطنهم الأصلي شبه جزيرة العرب في الألف الثالثة قبل الميلاد كما ورد هذا اللفظ في رسائل العمارنة، أي قبل أن يكون لليهود وجود (العقاد ، إبراهيم أبو الأنبياء) غير أن  اليهود قد أوهموا الناس بل أنفسهم باستعمال مصطلح (عبري) أو (عبيرو) للدلالة على اليهود بوجه عام ، حيث تعمد كتبة التوراة الخلط بين الأدوار الثلاثة (دور إبراهيم الخليل ودور موسى ودور اليهود) فربطوا تلك العصور بعضها بعضا ربطا مفككا ومشوها متناسين بان الاكتشافات الأثرية أثبتت زيف ادعاءاتهم ، من أن تلك العصور كانت مستقلة بذاتها تماما ولم يكن لليهود أي وجود فيها ، فسعوا وما زالوا لحد الآن أن يجدوا سبيلا لوجودهم بين الأمم فعمدوا على إهمال التسلسل الزمني للأحداث لكي يلتبس الأمر على القارئ ، وعليه نجد أن كلمة عبري وأرامي ترتبط بكلمة عربي ارتباطا لغويا متينا لأنها مشتقة من أصل واحد هي العربية باعتبارها أم اللغات السامية وأكثرها شبها باللغات السامية المتطورة ، وهي أكثر ارتباطا من كلمة يهودي ، لذلك تدل تلك الكلمات على معنى واحد (مجلة سومر ، العدد 14 ، 1958) ، واصدق دليل على صحة ذلك هو القران الكريم حيث لم يرد فيه كلمة عبري أو عبراني بل جاءت كلمة يهودي ، وهي الكلمة المتداولة بين العرب منذ الدعوة الإسلامية وليومنا هذا . ومثل ذلك فعل الأشوريون قبل الإسلام بأكثر من ألف ومائتي عام، فعندما دون سنحاريب (705 – 681) قبل الميلاد تفاصيل حملته على مملكة يهوذا التي جاءت تسمية يهود منها سمى حزقيا ملك يهوذا بـ (حزقيا اليهودي) ولم يستعمل كلمة عبري أو عبراني (عبد الحق فاضل، مغامرات لغوية)  قد علق فرويد على مسالة (العبيرو) بقوله: (ونحن نعرف أخبار هؤلاء المحاربين من الرسائل المكتشفة عام 1887 في سجلات مدينة العمارنة المتهدمة، فهي تسميهم باسم (عابيرو) وقد أطلق هذا الاسم فيما بعد لسنا ندري كيف، على الغزاة الجدد اليهود. العبرانيين الذين ما كان في مستطاع رسائل العمارنة أن تذكرهم لأنهم قدموا في زمن لاحق ([1])  ، والتوراة تتحدث عن العبرانيين بصفتهم غرباء حيث تقول الآية 21 من سفر الخروج: (إن اشتريت عبدا عبرانيا فليخدمك ست سنوات) كما تؤكد التوراة بان المصريين يتكلمون لغة كنعان وهي العبرية  (فرويد ، موسى والتوحيد) وهي اللغة المتداولة في كنعان قبل مجيء اليهود كم أسلفنا، وقد اخذ بها هؤلاء اليهود بعد دخولهم إلى ارض كنعان. والدليل على أن تسمية عبري للدلالة على اليهودي جاءت بدعة ومتأخرة، حيث إنها لم تستعمل في روسيا حتى القرن الخامس عشر الميلاد. كما نشرت دائرة المعارف البريطانية مقالة تقول: (اجل كنعان الذين وجدوا في فلسطين قبل نزوح اليهود إليها، كانوا يتكلمون بلغة قديمة (شبه عبرية) وان قطع المزامير التي اكتشفت في تل العمارنة دليل على أن الأدب العبري كان مزدهرا في كنعان في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، أي قبل دخول اليهود إلى فلسطين (دائرة المعارف البريطانية الجزء الحادي عشر، 1965). وأخيرا تضطر الوقائع التاريخية أن تجيب أي اللفظين مشتق من الآخر: هل إن كلمة عربي مشتقة من كلمة عبري أم كلمة عبري مشتقة من كلمة عربي؟ طالما أن العبري والعربي من أصل واحد كما ذكرنا. فمن المرجح تاريخيا أن العربي مشتق من العبري والدليل على ذلك هو التسلسل الزمني؛ فان أقدم ذكر لكلمة (العبيرو والخبيرو) والهبري يعني العبري يرجع إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد. أما لفظة (عربي) فأقدم ذكر لها ورد في الكتابات الآشورية في عصر الملك الأشوري شلمنصر الثالث (859 – 824) قبل الميلاد ( جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج1). كما وردت تسميات العرب وملوك العرب وبلاد العرب والأعرابي في العهد القديم (الخروج الآية 27 )

الخلاصة:

       إن أكثر الكتاب المتأثرون بالتوراة درجوا على ربط تاريخ اليهود بإبراهيم الخليل وقد اخذ عنهم الكتاب العرب هذه الادعاءات المخالفة للواقع التاريخي دون تمحيص مدعين أن جماعة من اليهود هاجروا مع إبراهيم الخليل من العراق إلى فلسطين واعتبروا إبراهيم الخليل عبريا بمعنى يهوديا نتيجة الخلط بين كلمة العبري القديمة واليهود واعتبروا أيضا بان اليهود يعودون إلى المكان الذي نشأ فيه إبراهيم وهو ارض العراق. والواقع إن الكتاب العرب قد استندوا في نقل هذه الادعاءات إلى المصادر الأجنبية، وهي مصادر يهودية دون أن يتنبهوا إلى التسلسل الزمني للحوادث التاريخية التي أظهرتها الاكتشافات الأثرية ومنهم:

1. الأستاذ احمد زكي البدوي الذي يقول: (رحل إبراهيم متزعما الإسرائيليين (اليهود) إلى فلسطين بكتابه تاريخ التطور الديني، صفحة 33.

2. نشرة أصدرتها وزارة الثقافة والإعلام العراقية برقم (1) الطبعة الثانية صفحة 6 تشير: (إن إبراهيم وأبنائه هاجروا من مدينة أور في العراق سنة 1806 قبل الميلاد وكان عدد اليهود الذين رافقوه في هذه الهجرة قليلا)

3. الأستاذ أميل الغوري عضو الهيأة العربية العليا ذكر نفس الكلام أعلاه بمقالته (فلسطين) في نشرت وزارة الإرشاد القومي العراقية رقم 44 لسنة 1963.

        بالرغم من استخلاص هذه الادعاءات من مصادر يهودية وهي جميعها مجانبة للحقيقة، ألا أنها جاءت مغايرة لما ورد في التوراة الذي هو الأخر مجافي للحقيقة في (سفر التكوين: 12: 1-4) التي تقول: (وقال الرب لإبرام اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي اريك، فارتحل إبرام من حاران ورافقه ابن أخيه لوط وزوجته سارة مع مقتنياته التي امتلكها في حران وانطلقوا جميعا إلى ارض كنعان أي فلسطين). كما تشير التوراة (سفر التكوين: 24: 4-5) بان إبراهيم قد طلب من خادمه أن يمضي إلى بلده حران والى عشيرته ليجلب زوجة لابنه اسحق.. وهذا يعني أن إبراهيم لم يكن أصلا من أهل فلسطين وإنما من أهل حران وإلا لاختار زوجة من أهل فلسطين.. إضافة لما ذكره القران الكريم بالقول: (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا، ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين) فكيف يكون إبراهيم قد قاد اليهود وعبر بهم ارض الأردن إلى ارض كنعان. إذن فهو ليس يهوديا، وإنما هو أراميا كما تشير كامل الإصحاح 24 من سفر التكوين. كما ادعت بعض المصادر اليهودية خلافا للتوراة بالرغم من أنها محرفة إن إبراهيم الخليل قاد 4000 يهودي في تلك الأيام وهذا يعتبر جيشا كاملا. ومن هنا يجب علينا ومن حق كل باحث أن يعرض الحوادث التاريخية على أزمان كل مرحلة من مراحلها وتحقيقها وفق المكتشفات الأثرية وخصوص الأدوار الثلاثة (دور إبراهيم الخليل وأبنائه ودور موسى ودور اليهود) لنتمكن من تحديد خصائص كل دور ومدى علاقته مع الآخر. فإذا ما تابعنا الأدوار التاريخية حسب تسلسلها الزمني لغرض إثبات ذلك يتوجب علينا أولا التمييز بين عصر إبراهيم الخليل ويعقوب ((إسرائيل)) وبين زمن قوم موسى وبين زمن مملكة يهوذا التي جاء منها تسمية ((يهود)). ويحسن بالقارئ أن يلاحظ تسلسل هذه الأدوار بالقياس إلى اللغة والديانة حسب أزمانها، لان كتبة التوراة تعمدوا الخلط بين الأدوار فربطوا تلك العصور بعضها بعضا ربطا مفككا ومشوها متناسين بان الاكتشافات الأثرية ستثبت زيف ادعاءاتهم كما ستثبت بان تلك العصور مستقلة بذاتها تماما ولم يكن لليهود أي وجود فيها، فسعوا وما زالوا لحد ألان أن يجدوا سبيلا لوجودهم بين الأمم فعمدوا على إهمال التسلسل الزمني للأحداث لكي يلتبس الأمر على القارئ. وعلى هذا الأساس نجد أن إله إبراهيم الخليل وأبنائه غير إله اليهود وان لغة إبراهيم غير لغة اليهود كما موضح أدناه:

1. إله إبراهيم الخليل ولغة عصره:

       من المعلوم تاريخيا أن هجرة الآراميين وانتشارهم في سوريا والعراق واستقروا في منطقة الفرات الأوسط (الخابور والبليخ – الفرات) وتسمى هذه المنطقة بمنطقة (حَرّان) جاءت في أوائل الألف الثالثة قبل الميلاد، وان إبراهيم الخليل ينتمي إلى العشائر الآرامية والذي ظهر سنة 1900 – 1850 قبل الميلاد وهذا يعني أن موطنه الأصلي العراق وليس فلسطين. وقد أثبتت الوقائع التاريخية والأثرية إن إله الجزيرة العربية التي تدين به أهلها هو الإله (أيل) وهو الإله العظيم الواحد أو الإله العلي القادر على كل شيء والحاكم المطلق لا ينافسه منافس  وهو أله الناس اجمعين ،  وما يدل على ذلك أن النبي شيت كان يسمى بالارمية (شيت – أيل) تبركا باسم الإله كما نقول في الوقت الحاضر عبد الله وعبد الرحمن وغيرهم تبركا باسم الله تعالى وكذلك اسم إبراهيم الخليل تعني صديق الإله (خل – أيل) ويعقوب (إسرائيل ) يعني عبد الله (أسرة – أيل) وبابل يعني باب الإله (باب – أيل) وان أول ملك حكم مدينة (اريدو) في عصر ما قبل الطوفان سنة 3000 قبل الميلاد كان اسمه (أيلوم) (احمد سوسه ، العرب واليهود في التاريخ) كما وجدت مدن كنعانية اقترن اسمها باسم هذا الإله كما هو موجود في النصوص الآرامية مثل كلمة (بيت أيل) و (أيل تكلم مع هاجر) ، كما وردت أيضا في النصوص المصرية على عهد الهكسوس مثل (يعقوب – أيل) و (يوسف – أيل) مثلما اقترن من قبلهم اسم النبي شيت فكان يسمى بـ(شيت – أيل)  (كتاب الانفس للصابئة) كما اعترفت التوراة بان إبراهيم يدعو لعبادة (أيل) (سفر التكوين : 16 / 13-14). إما في الكتابات الفينيقية وهم كنعانيون فقد جاءت الكلمة بصيغة (ايلوس). أما لغة هذا العصر فهو مرتبط بلغة الجزيرة العربية التي تسمى باللغة الأم (العربية السامية)

2. إله اليهود ولغة العصر:

إله اليهود هو الإله (يهوه) الذي لا يمت بصلة لشعوب أخرى سوى سيناء وقادش، وهو إله القسوة والبراكين (فيليب حتي ، تاريخ العرب) وهو إله قبلي لليهود بدلالة أن ملوك اليهود تقترن بهذا الإله ومنهم (يهوياكيم) حاكم يهوذا سنة 601 قبل الميلاد أي قبل السبا البابلي وبعد وفاته حل محله (يهوباكيت) أما كلمة (يهود) فإنها جاءت نسبة إلى مملكة يهوذا سنة 597 قبل الميلاد ويمثل القرن السادس قبل الميلاد بداية اليهودية. ومهما كان جذرها فهو أمر خارج المنطق والحقائق كون علم النحو ظهر في أكثر تقدير في عهد الإمام علي (ع)  عندما قام أبو اسود الدوؤلي بالتنقيط والتحريك ، وهذا يعني أن الكلمة جاءت من منطلق فقه اللغة وليس من الدلالات التاريخية الأثرية مع علمنا أن التحليل اللغوي جاء متأخرا حيث يبعد عن عصر اليهود ما يقرب ألف وخمسمائة سنة ،  وكذلك كون كلمة يهودية أطلقت في القران الكريم على سبيل الذم لأقوام اتهموا بالشرك والانحراف وقتل الأنبياء وليس على معنى الرضا والهداية بدلالة قوله تعالى : (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ، فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون)  سورة البقرة / 79 .

 أما لغة العصر فكانت تسمى بآرامية التوراة.

3. إله موسى ولغة العصر:

       أما في عصر موسى فكان يسمى الإله العظيم (أتون) ولغة العصر الهيروغليفية. (فرويد، موسى والتوحيد)

يبدو للباحث والمحقق المحايد بان ما ورد بالتوراة من خلط وتشويهات للحقائق التاريخية، بأنه قد حصل شبه اتفاق بين كتبة التوراة على ازدواجية التوراة اليهودية، حيث نشأوا فيها تيارين متناقضين: التيار اليهيوي نسبة إلى (يهوه) إله القسوة، وهو تيار يهودي عنصري سياسي استيلائي. أما التيار الثاني فهو التيار الايلوهيمي نسبة إلى (أيل) إله الرحمة وهو تيار كنعاني الأصل ديني صرف. (قاسم، الشواف، مع الكلمة الصافية، ص328)؛ من هذا يعني أن كتبة التوراة أرادوا إظهار عبادة (يهوه) على المسرح كأنه هو إله (أيل) كعملة ذات وجهين وقد نسوا تناقض صفاتيهما كما أسلفنا. لذلك نجد أن التوراة عندما تتحدث عن إبراهيم الخليل وأبنائه تستعمل ثلاثة أسماء للإله وهي: (الله) و (أيل) وأحيانا كلمة الرب في مكان آخر و(يهوه) الذي لم يذكر إلا في عهد النبي موسى (سفر الخروج 6: 3). وبالرغم من هذا التناقض في التسمية فان الإله (يهوه) لم يكن موجودا في عصر إبراهيم الخليل وكان مقتصرا فقط على الإله (أيل) وهو مفرد لكلمة (ايلوهيم) الكنعانية والمراد بها الجمع والتعدد كما أوضحنا أعلاه.

وعلى هذا الأساس نستطيع وضع مقاربة تاريخية موجزة بين تلك الأدوار: فعصر إبراهيم الخليل يقع في القرن التاسع عشر قبل الميلاد في حين أن عصر موسى يقع في القرن الثالث عشر قبل الميلاد وعصر اليهود يقع في القرن السادس قبل الميلاد. ولذلك فقد فرق القران الكريم بين معنى اليهود والنصارى وبين بني إسرائيل وقوم موسى، وتسمية (بني إسرائيل) جاءت على سبيل الرضا من الله تعالى وليس الذم في حين جاءت كلمة يهودي على سبيل الشرك والانحراف والكذب. كما أكد القران الكريم على عدم تواجد اليهود في عصر إبراهيم بدلالة قوله تعالى :(ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا). وهذا دليل على فرية ادعاء التوراة المحرفة والقائلة أن إبراهيم وأبنائه أجداد اليهود وان اليهود من نسلهم وكذلك الرد على ما تناولته كتب المؤرخون من أن كلمة (يهود) جاءت من اسم أطلق منذ القدم على شعب سليل إبراهيم الخليل (المنجد)، كما اعترفت التوراة في سفر أشعيا 19/18 أن اليهود كانوا يتحدثون “شفة كنعان” أي لغة كنعانية وهي الآرامية عند تواجدهم في مملكة يهوذا في القرن السادس قبل الميلاد وليس اللغة العبرية.  أما الآيات التالية:

1) إن الذين امنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من امن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

2) إن الذين امنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من امن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

3) إن الذين امنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس الذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة أن الله على كل شيء شهيد.

فيعني من هذه الآيات أن الذين تدينوا باليهودية والصابئة والنصرانية والمجوسية وبقوا على ديانتهم المنحرفة وأشركوا فحسابهم سيكون يوم القيامة، أما الذين امنوا من هؤلاء المنحرفين وعمل منهم عملا صالحا باعتناقهم الإسلام فقد اعد الله لهم أجرا عظيما ولا خوف عليهم (المبين لجواد مغنية) ومن هذا لا يعني أن كلمة يهودي جاءت من معنى هذه الآيات، وإنما الفعل (هادوا) جاء من كلمة يهود.

 



 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

عواطف مكبوتة قصة قصيرة.. رحلةٍ رمزيةٍ داخل متاهة الذات