من الإله المجهول إلى يقين الوجود سلسلة في الفكر الديني والفلسفي الحلقة الثانية هو الله: بين يقين الوجود وحدود التعريف

 

من الإله المجهول إلى يقين الوجود

سلسلة في الفكر الديني والفلسفي

الحلقة الثانية

هو الله: بين يقين الوجود وحدود التعريف

قراءة عقلية وروحية في صفات الله وعدالته

الباحث عدنان مهدي الطائي

   حين يقف الإنسان أمام سؤال الوجود الأكبر: من هو الله؟، فإنه لا يقف أمام فكرة عابرة، بل أمام أعظم قضية رافقت العقل البشري منذ بدء الخليقة. فالإنسان لا يبحث فقط عن الإيمان بوجود الله، بل يبحث أيضًا عن فهمٍ يطمئن العقل، ويمنح القلب معنى، ويزيل شيئًا من الغموض الذي يحيط بالمطلق الإلهي. لقد جاء القرآن الكريم بحقيقة حاسمة لا تحتمل التعدد أو الشك، حين قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۝ اللَّهُ الصَّمَدُ ۝ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۝ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ فهنا يضع القرآن أساس التوحيد الخالص: إله واحد، كامل، غير محدود، لا يشبهه شيء، ولا يحتاج إلى شيء. لكن المشكلة التي واجهها الإنسان عبر التاريخ لم تكن دائمًا في إنكار وجود الله، بل في صعوبة تعريفه عقليًا؛ لأن كل محاولة لوصف المطلق تبقى محدودة بحدود اللغة البشرية والعقل الإنساني. الله وصفاته الحسنى.  إن أقرب طريق لمعرفة الله ليس تخيل شكله أو “كيفيته”، لأن العقل عاجز عن الإحاطة بالمطلق، بل يكون ذلك عبر صفاته الحسنى التي عرّف بها نفسه:

  • الرحمن: الرحمة الواسعة التي تشمل الوجود كله.
  • الرحيم: الرحمة الخاصة بعباده.
  • العليم: الذي لا يخفى عليه شيء.
  • السميع: الذي يسمع كل الأصوات.
  • البصير: الذي يرى كل شيء.
  • الحكيم: الذي يضع الأمور في مواضعها.
  • العدل: الذي لا يظلم أحدًا.
  • الغفور: الذي يفتح باب التوبة والمغفرة.

   وقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ أي أن الله أراد للإنسان أن يعرفه من خلال صفاته، لا من خلال صورة حسية أو تصور مادي. ومن هنا يمكن تقريب معنى الله للعقل بعبارة جامعة: الله هو الكمال المطلق للرحمة، والعدل، والحكمة، والعلم. هذه العبارة لا تدّعي الإحاطة بالله، لكنها تقرّب المعنى العقلي الممكن للذات الإلهية، لأن الإنسان يدرك الرحمة والعدل والحكمة، لكنه يراها في الله بصورة مطلقة غير ناقصة. هل الله يعاقب الإنسان في الدنيا؟ من أكثر الصور التي التصقت بالدين عبر التاريخ هي صورة “الإله المنتقم” الذي يرسل المصائب مباشرة لمعاقبة الناس. لكن التأمل العميق في القرآن يكشف صورة أكثر رحمة واتزانًا.

يقول تعالى:

﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾

ويقول أيضًا:

﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ، وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾

فالظلم يصدر من الإنسان حين يخالف قوانين الحياة والأخلاق والعدل، فيتحمل نتائج أفعاله الطبيعية والاجتماعية والنفسية. أما الحساب الكامل، فقد جعله الله في الآخرة: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ، وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ وهذا يعني أن الله لا يعامل البشر بمنطق الانتقام الفوري، بل بمنطق الإمهال والرحمة وإعطاء الفرصة للتوبة والتغيير. أما وصف شديد العقابفي القرآن، فلا يعني حب العقاب، بل يعني القدرة على تحقيق العدالة النهائية حين تنتهي فرص الإصلاح، لأن الرحمة بلا عدالة تتحول إلى فوضى، والعدالة بلا رحمة تتحول إلى قسوة.

حرية الإنسان في الإيمان والتكفير

    لقد منح الله الإنسان حرية الاختيار: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ومنحه حرية التعايش: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ومنحه حق الحوار والسؤال: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ بل دعا الإنسان إلى البحث والتأمل في الكون والنفس: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ وهذا يدل على أن الإيمان في الإسلام ليس إلغاءً للعقل، بل دعوة إلى استخدامه.

هل يمكن إثبات وجود الله عقليًا؟

يحاول الإنسان دائمًا البحث عن دليل يطمئن العقل. وقد وجد بعض المفكرين دلائل متعددة، منها:

  • انتظام الكون بدقة مذهلة.
  • قوانين الحياة المعقدة.
  • انقسام الخلية ونظام الجسد.
  • قدرة الجروح على الالتئام.
  • وجود الوعي والضمير الإنساني.

فكل ذلك يشير إلى نظامٍ يتجاوز المصادفة العمياء. حتى اللغة القرآنية نفسها تحمل إشارة وجودية عميقة في قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فاسم الإشارة “هو” يحمل دلالة على حضور وجودٍ سابق على الوصف، وكأن اللغة تشير إلى حقيقة موجودة قبل أن يبدأ العقل بمحاولة تعريفها.

 الله بين الوضوح والغموض

   كلما ازداد الإنسان تنزيهًا لله، اقترب مفهوم الله من “المجهول”، لأن المطلق لا يمكن للعقل المحدود أن يحيط به إحاطة كاملة. لكن هذا الغموض ليس نفيًا للوجود، بل دليل على عظمة الوجود. فالإنسان لا يرى الجاذبية، لكنه يؤمن بآثارها. ولا يرى العقل نفسه، لكنه يدرك نتائجه. وكذلك الله؛ لا يُدرك بالحواس، لكن تُدرك آثاره في الكون، والحياة، والضمير، والوجود. ولهذا ربما تكون أقرب صيغة عقلية وروحية لتعريف الله هي: الله هو الحقيقة المطلقة التي يظهر أثرها في النظام والرحمة والعدل والحكمة والجمال الكامن في الوجود.

     إن الإنسان لا يستطيع الإحاطة بالله، لكنه يستطيع الاقتراب منه بالوعي، والمحبة، والتأمل، والأخلاق، لأنه محالٌ على الله التجسيدُ بصفات البشر، اذ كلما اقترب الإنسان من تنزيه الله، أدرك أن الذات الإلهية لا تُعرَّف بالتجسيد، بل تُعرف بآثار الرحمة والعدل والحكمة في الوجود. فالله في الرؤية القرآنية ليس لغزًا مخيفًا، بل مصدر الطمأنينة والمعنى والرحمة، وكلما ارتقى الإنسان أخلاقيًا وروحيًا، ازداد اقترابًا من فهم بعض إشارات ذلك النور الإلهي العظيم. وما على العقل البشري ان يستوعب هذه الفكرة ويوقف تخيلاته وتفلسفه.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

عواطف مكبوتة قصة قصيرة.. رحلةٍ رمزيةٍ داخل متاهة الذات