(لو) عند الرصافي: محاكمة أخلاقية للمجتمع أم ثورة عقل على الموروث؟

 

(لو) عند الرصافي: محاكمة أخلاقية للمجتمع أم ثورة عقل على الموروث؟

قراءة نقدية في قصيدة معروف الرصافي (لو)

بقلم الباحث والكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي

نص القصيدة

لو أسكر الإنسان باطل أمره

لم تلق معربد سكران

لو قاس كل فتى سواه بنفسه

فيما أراد لما تعادى اثنان

لو أنصف الخصمان ما أصطاد الرشا

أهل القضاء بما أدعى الخصمان

لو أخلص الإنسان في إحسانه

لم يرج أن يجزي على الإحسان

لو لم يشك بربه متفلسف

في الدين لم يحتج بالبرهان

لو أن عقل المرء يغلب حبه

للنفس لم يلجأ إلى الأديان

لولا جمود في الشرائع مهلك

لتغيرت بتغير الأزمان

لو كان قصد الدين غير سعادة

الدنيا لكان الكفر كالإيمان

لو أخلص الرجل التقي بدينه

ما كان ذا طمع بحور جنان

لا خير في تقوى أمريء لو لم يخف

نار الجحيم للج في العصيان

لو كان أمر الحج معقولا لما

كان استلام القوم للأركان

لو حكم العقل الحجيج بحجهم

أبوا الطواف بتلكم الجدران

لو أخلص ألغزي بنصرة دينه

ما حل سبي حراير النسوان

كذبت قريش لو تقادم عهدها

في المجد ما خدعت أبا غبشان

لو كان للشيطان معنى غير ما

الإنسان ما آمنت بالشيطان

لو يجعل الناس التعاون دأبهم

لتمتعوا بسعادة العمران

لو أن أخلاق الرجال تهذبت

لتكشفت حجب عن النسوان

ومحبة الأوطان لولاها لما

عرف الأنام عداوة الأوطان

لو كان خير في المجرة لم يكن

في الأرض شر دائم الغليان

لو تم في فلك الثريا سعدها

لم تمن بالعيون والدبران

لو لم يكن فزعا سهيل لم يبت

في أفقه متتابع الخفقان

اولا: المعنى النحوي لحرف (لو)

(لو) حرف أداة، حسب قواعد اللغة، تحمل معنى الشرط غير جازمة، وتفيد امتناع شيء لامتناع غيره. ويعرفها النحويون: أنها حرف امتناع لامتناع، كقولنا: (لو صدقنا في أعمالنا لعشنا سعداء)، ومعنى ذلك: أن وجود السعادة في عيشنا مشروط بوجود الصدق في أعمالنا.

   ولأجل تحقيق معنى الامتناع لامتناع في حرف الشرط (لو)، يجب أن يأتي بعدها فعل ماض صيغة وزمانا كالمثل المذكور آنفا، وإلا يُعد مجرد أداة لربط الجواب بالشرط بمعنى (أن). إذا ما جاء بعدها فعل يدل على المستقبل، معنى ولا صيغة كقوله تعالى: (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم) أي (أن يتركوا)، أو قد يليه فعل مستقبل معنى وصيغة كقولنا: (لو تزورنا لسررنا بلقائك) أي (أن تزرنا). كما تحتاج (لو) بنوعيها إلى جواب كجميع أدوات الشرط، ويجوز أن يقترن جوابها باللام كقوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) أو يتجرد منها كقوله تعالى: (لو شاء ربك ما فعلوه). أما إذا كان جوابها مضارعا منفيا، فلا يجوز اقتران اللام بها.

وبعد هذه المقدمة النحوية حول كلمة (لو) أقول: أن الشاعر معروف الرصافي أستخدم أداة الشرط (لو) استخداما فلسفيا في التعبير عن أفكاره وآرائه في قضايا اجتماعية وعقائدية وسياسية حساسة وذات أهمية في حياة الناس، إذ تناول بقصيدته (لو)، التي عدد أبياتها واحد وعشرون بيتا، طائفة من هذه القضايا عبر عن رأيه فيها بصراحته المعهودة، القائمة على أساس من الصدق والعلم والتأمل والتفقه العميق في المسائل التي تعرض لها. وقد أدخل الشاعر (لو) الشرطية على أبيات هذه القصيدة ما عدا بيتين منها إذ أدخل عليهما (لولا) الشرطية أيضا والتي تفيد امتناع شيء لوجود غيره.  واليك أيها القارئ الدراسة النقدية للقصيدة

ثانيا: قراءة نقدية للموروث في قصيدة معروف الرصافي

   ليست قصيدة (لو) للشاعر العراقي الكبير معروف الرصافي مجرد بناء شعري قائم على أداة شرط نحوية، وإنما هي مشروع فكري كامل اتخذ من اللغة وسيلة لمحاكمة الإنسان والمجتمع، والدين، والسياسة، والأخلاق. فالشاعر لا يستخدم أداة الشرط هنا بوظيفتها النحوية التقليدية فحسب، بل يحولها إلى أداة افتراض فلسفي، يرسم بها صورة عالم آخر كان يمكن أن يوجد لو انتصر العقل على الهوى، والعدل على المصلحة، والوعي على الجمود.

    إن تكرار أداة الشرط (لو) في القصيدة ليس تكرارًا صوتيًا أو زخرفًا بلاغيًا، بل هو إيقاع فكري متعمد، قائم على فكرة “الاحتمال الضائع”، وكأن الرصافي يريد أن يقول: إن خراب العالم لم يكن قدرًا محتومًا، بل نتيجة مباشرة لفشل الإنسان في تحقيق شروط إنسانيته. ومن هنا تبدأ القصيدة بوصفها محاكمة أخلاقية شاملة للمجتمع. فالرصافي حين يقول:

لو أسكر الإنسان باطل أمره
لم تلق معربد سكران

فهو لا يتحدث عن الخمر بمعناها الحسي، بل عن سُكر الوهم والتعصب والباطل، وكأن الإنسان ـ في رأيه ـ يعيش حالة فقدان وعي جماعي تجعله يندفع نحو الخراب دون إدراك. ثم ينتقل إلى نقد الذات البشرية بوصفها أصل الصراع:

لو قاس كل فتى سواه بنفسه
فيما أراد لما تعادى اثنان

هنا يربط الرصافي العداوة بانعدام القدرة على رؤية الآخر بوصفه امتدادًا للذات الإنسانية، وهي رؤية أخلاقية عميقة تتجاوز زمان القصيدة إلى واقع الإنسان المعاصر، حيث ما تزال الأنانية والمصالح الضيقة تصنع الحروب والانقسامات. أما في قوله:

لو أنصف الخصمان ما أصطاد الرشا
أهل القضاء بما ادعى الخصمان

فإن الشاعر يكشف فساد العدالة حين تتحول المحاكم إلى ساحات منفعة، ويضع إصبعه على العلاقة بين فساد الإنسان وفساد المؤسسة، وكأن الرصافي يرى أن انهيار القيم يبدأ من الداخل قبل أن يظهر في الأنظمة والقوانين. غير أن القصيدة تبلغ ذروة جرأتها الفكرية حين يدخل الرصافي إلى المسألة الدينية، لا بروح الإنكار السطحي، وإنما بروح العقل النقدي الذي يحاكم الظواهر والممارسات والتصورات السائدة. ففي قوله:

لو لم يشك بربه متفلسف
في الدين لم يحتج بالبرهان

يطرح الرصافي إشكالية العلاقة بين الإيمان والعقل، ويرى أن الجدل الفلسفي لم يظهر إلا نتيجة الشك والأسئلة الوجودية. وهو هنا لا يهاجم التفكير بقدر ما يكشف طبيعة الصراع التاريخي بين التسليم العقائدي والبحث العقلي. ثم يذهب إلى أبعد من ذلك حين يقول:

لولا جمود في الشرائع مهلك
لتغيرت بتغير الأزمان

وهو بيت يكشف بوضوح رؤية الرصافي الإصلاحية القائمة على ضرورة مواكبة التشريعات لحركة الحياة، إذ يرى أن الجمود ليس حماية للدين، بل سببًا في أزمته التاريخية. وتزداد القصيدة حساسية حين يربط الشاعر بين الدين والخوف والطمع والثواب، في أبيات أثارت وما تزال تثير جدلًا واسعًا، خصوصًا حين يتحدث عن الجنة والنار والحج والطقوس الدينية. وهنا ينبغي قراءة النص ضمن سياقه الفكري والتاريخي؛ فالرصافي كان ابن مرحلة عربية مضطربة، شهدت صراعًا بين التراث والحداثة، وبين العقلانية الناشئة والبنى التقليدية الموروثة.

    لقد كان الرصافي شاعر مواجهة، لا يخشى الاصطدام بالمقدس الاجتماعي أو السياسي أو الديني، ولهذا جاءت قصيدته صادمة في كثير من مواضعها. لكنه ـ في الوقت نفسه ـ لم يكن يكتب بدافع الهدم المجاني، بل بدافع الاعتقاد بأن تحرير الإنسان يبدأ من تحرير عقله. ومن يقرأ كتابه الشهير الشخصية المحمدية أو حل اللغز المقدس يدرك أن قصيدة (لو) ليست نصًا منفصلًا عن مشروعه الفكري، بل امتداد طبيعي لرؤيته العقلانية النقدية التي حاول فيها إعادة قراءة التاريخ والدين والسلطة بمنهج مختلف، وهو ما جعل الكتاب يثير ضجة كبيرة ويُمنع في مراحل مختلفة بسبب جرأته الفكرية. غير أن القيمة الحقيقية للقصيدة لا تكمن فقط في أفكارها الجدلية، بل في قدرتها على تحويل أداة نحوية صغيرة مثل (لو) إلى بنية فلسفية كاملة. فكل بيت في القصيدة قائم على فرضية أخلاقية مفقودة:

  • لو انتصر العدل
  • لو خلص الإنسان من أنانيته
  • لو تحرر العقل من الجمود
  • لو قام التعاون بدل الصراع

إنها قصيدة الاحتمال الإنساني الضائع. واللافت أن الرصافي، رغم نزعته العقلانية الحادة، لا يقدم نفسه بوصفه مالكًا للحقيقة المطلقة، بل بوصفه شاعرًا قلقًا يحاول مساءلة الواقع وكشف تناقضاته. ولهذا بقيت قصيدته حيّة، لأنها لا تمنح القارئ أجوبة جاهزة، بل تدفعه إلى التفكير. ومن هنا فإن قراءة هذه القصيدة ينبغي ألا تكون قراءة انفعالية قائمة على الاتفاق أو الرفض فقط، بل قراءة نقدية تتعامل مع النص بوصفه وثيقة فكرية وأدبية تعكس طبيعة عصرها وأسئلة صاحبها. فالأدب العظيم ليس ذلك الذي يكرر ما يؤمن به الناس، بل الذي يمتلك القدرة على زعزعة اليقين وفتح أبواب التأمل. لقد استخدم الرصافي (لو) ليكتب بها تاريخًا كاملًا من الحسرة الإنسانية، وليقول إن العالم كان يمكن أن يكون أكثر عدلًا وعقلًا ورحمة… لو أن الإنسان كان أكثر إنسانية.

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

عواطف مكبوتة قصة قصيرة.. رحلةٍ رمزيةٍ داخل متاهة الذات