زهر البنفسج

 

 

تمهيد

  قصيدةُ «زهر البنفسج» تنتمي إلى فضاءِ الشعرِ الوجداني الحديث، حيث تتداخلُ العاطفةُ بالصورةِ الشعريةِ، ويتحوّلُ الحبُّ إلى حالةٍ من التأملِ الإنساني الممزوجِ بالحزنِ والحنين. والنصُّ هنا لا يقومُ على البناءِ الخليليّ التقليديّ القائمِ على وحدةِ البحرِ والقافية، بل يقتربُ من أسلوبِ قصيدةِ النثرِ والشعرِ الحر، مع حفاظهِ على موسيقى داخلية تنبعُ من انسيابِ اللغةِ وتكرارِ المفرداتِ ذاتِ الإيحاءِ الرقيق، مثل: البنفسج، العطر، الأشجان، الألحان، والأنوار. وقد اتخذَ الشاعرُ من «زهر البنفسج» رمزًا مركزيًا للجمالِ الحزين؛ ذلك الجمال الذي يمتزجُ فيه الشوقُ بالألم، والافتتانُ بالخذلان، ليصبحَ الحبُّ في النصِّ حالةً روحيةً تتجاوزُ حدودَ الواقعِ نحو فضاءِ الحلمِ والبوح. كما تتكئُ القصيدةُ على الصورِ الحسيةِ والوجدانيةِ التي تمنحُ النصَّ طابعًا غنائيًا شفيفًا، وتفتحُ أمامَ القارئِ بابَ التأويلِ الشعوريّ أكثر من التقيّدِ بالبناءِ العروضيّ الصارم.

النص

زهر البنفسج

لو لم يكنْ للوجودِ جمالٌ..‏

لما ثملتْ العصافيرُ طربا‏

ولما عزفتْ الملائكةُ أشواقا

عيناكِ كزهرِ البنفسجِ..‏

ملأتْ رياضَ حبِّنا أزهارًا

ولما حولتْ أريجَها..‏

بين أحزاني ألحانا.‏

ولا قالَ تعالى فينا بيانا:‏

لا تنسى نصيبك من الدنيا

مهما كان

ونحيا مع بعضنا حبا وأمانا.‏

وتصدحُ أوراقُ البنفسجِ بوحا

‏ كرقةِ الندى أشعارا.‏

همساتٌنا تزيدُ دنيانا..‏

سحرا وافتنانا.‏

أتمايلُ مع حبيبيَ المهاجرِ

في سماءِ العشقِ بهاءً.‏

كالطيرِ حين تجفُ حواصلُهُ..‏

من الطيرانِ ‏ ماءً رقراقًا

وأنا المعذبُ أرنو إلى الغدِ..‏

كلما باعدتْ الدنيا عني.. خذلانا.‏

سمراءُ يا شمسُ الأنوثةِ..‏

أشرقتْ في كبرياءِ روحي.. أنوارا.‏

وتجمعتْ فوق رمالِ حبي..‏

عرائسا من لؤلؤٍ ألوانا.‏

حجبتْ مشاعري.. لم يبقِ منها..‏

سوى نجوى فؤادي..‏

خافقا ولهانا.‏

صاغَ النوى مدينةَ أحزاني..‏

قلعةَ هجرانا.‏

بين وحدتي وأنيني..‏

ووحشةَ مكاني.. يلُفني نسيانا.‏

وصدري النحيلُ ينبضُ شوقا..‏

من عبقِ عطركِ..‏

ومن ضمِ أحضانا.‏

وأنتِ على جموحكِ في العُلى..

لن تباليَ بنيراني

ولا حرقة اشواقا

عيونكِ مسَ حزني..‏

فالتقى القلبان أشجانا.‏

وسطوعُ عشقي نالَ مخيالكِ.. وعانقَ الأكوانا

لم لا تعصري خمرَ عشقك..‏

في روحي غوايةً..‏

حتى لو اتُهمتُ بكِ كفرانا.‏

لو تعلمينَ كم خابَ ظني في فراقكِ..‏

وقلبي صارَ ينزفُ دما مدرارا.‏

آن الأوانُ لنرى الحياةَ..‏

كزهرِ البنفسجِ صباحا..‏

أو لنرتشفْ خمرَ الهوى نشوانًا

عدنان الطائي

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

عواطف مكبوتة قصة قصيرة.. رحلةٍ رمزيةٍ داخل متاهة الذات