العنف المقدّس بين آلية الكبش الفدائي ونقد الدين البشري
العنف المقدّس بين آلية
الكبش الفدائي ونقد الدين البشري
دراسة نقدية في أفكار رينيه جيرارد وكتاب العنف
والمقدّس
بقلم الباحث عدنان
الطائي
ليس كتاب العنف والمقدّس مجرّد دراسة
أنثروبولوجية عن الطقوس القديمة، بل هو محاولة جذرية لتفسير التاريخ البشري كله من
خلال فكرة واحدة: أن الإنسان كائن يقلّد
رغبات الآخرين، وأن هذا التقليد يقود إلى الصراع، ثم إلى العنف، ثم إلى البحث عن
“ضحية” تُلقى عليها خطايا الجماعة لكي تستعيد الجماعة توازنها. ومن هنا وُلد ما
يسميه جيرارد “العنف المقدّس”. لكن السؤال الذي يفرض
نفسه منذ الصفحات الأولى:
هل استطاع جيرارد أن يفسّر الإنسان فعلاً، أم أنه اختزل تعقيد الحضارات
والأديان في آلية واحدة تبدو أحياناً عبقرية، وأحياناً أخرى تعسّفية؟
أولاً: موجز الفكرة الأساسية في الكتاب
يرى جيرارد أن الرغبة
الإنسانية ليست أصيلة ولا نابعة من الذات، بل هي “رغبة محاكاتية”. فالإنسان لا يريد الشيء لأنه يختاره بحرية، بل
لأنه يرى الآخرين يريدونه. وهكذا تتحول الرغبة إلى عدوى اجتماعية. ومن هنا يبدأ الصراع:
- شخص يقلّد رغبة
شخص آخر.
- التنافس يتحول إلى
خصومة.
- الخصومة تتوسع
داخل الجماعة.
- الجماعة تخشى
الانهيار.
- فتبحث عن ضحية
تُحمّلها أسباب الفوضى.
- ثم تُقتل أو تُنفى
أو تُدان.
- وبعد استعادة
الهدوء تُقدَّس الضحية أو يتحول قتلها إلى طقس ديني.
وبذلك يربط جيرارد بين:
- الأسطورة،
- الدين،
- الطقوس،
- التضحية،
- نشوء النظام
الاجتماعي.
إنه يرى أن الحضارة نفسها تأسست فوق جثة “كبش
فداء”.
ثانياً: لماذا نستمر في ارتكاب الأخطاء نفسها
رغم التقدم؟
هنا تكمن قوة الكتاب ومرعبه في آن واحد. فجيرارد يقول ضمناً إن الإنسان الحديث لم
يتحرر من العنف، بل غيّر شكله فقط. فبدلاً من التضحية
البشرية القديمة، ظهرت:
- الإقصاءات
السياسية،
- الحروب العقائدية،
- القوميات
المتطرفة،
- حملات التخوين،
- شيطنة المختلف،
- صناعة العدو
الجماعي.
إن العقل الحديث – رغم
التكنولوجيا والتعليم – ما زال يبحث عن “ضحية” يعلّق عليها أزماته. ولهذا يبدو الكتاب معاصراً جداً عند قراءة ما
يحدث في:
- العراق،
- إيران،
- الشرق الأوسط،
- وحتى في المجتمعات
الغربية.
فالفساد، والطائفية،
والعنف باسم العقيدة، وتبرير قتل الإنسان تحت شعارات مقدسة، كلها تعيد إنتاج
الآلية القديمة نفسها: خلق “آخر” مذنب يجب
التخلص منه كي تشعر الجماعة بالنقاء.
ثالثاً: هل يترك الكتاب أثراً غريباً في
قارئه؟
نعم، لأن جيرارد لا
يهاجم العنف فقط، بل يكشف جذوره الخفية داخل الثقافة والدين والمجتمع والإنسان
نفسه. القارئ يشعر أحياناً
بأن:
- التاريخ ليس
تقدماً أخلاقياً،
- بل إعادة تدوير
أكثر تعقيداً للعنف القديم.
وهذا ما يجعل الكتاب
مقلقاً؛ لأنه لا يضع الشر خارج الإنسان، بل في البنية الجماعية للرغبة والخوف
والمحاكاة. إنه كتاب يجعل القارئ
يشك:
- في براءة
الجماعات،
- وفي نقاء
الأيديولوجيات،
- وحتى في قداسة بعض
السرديات الدينية والتاريخية.
رابعاً: هل معرفة جيرارد بالإسلام والثقافات
غير الغربية سطحية؟
هذه واحدة من أهم الثغرات النقدية في مشروعه. فرغم أن جيرارد يتجول بين:
- الأساطير
اليونانية،
- اليهودية،
- المسيحية،
- بعض الطقوس
البدائية،
إلا أن بنيته الفكرية بقيت مشدودة إلى الأفق اليوناني–المسيحي. فهو يقرأ العالم غالباً من خلال:
- التراجيديا
الإغريقية،
- الكتاب المقدس،
- التجربة المسيحية
الأوروبية.
أما الإسلام، والهندوسية، والبوذية،
والتقاليد الشرقية، فتظهر عنده بصورة أقل عمقاً وتحليلاً.
ولهذا يمكن القول إن نظريته ليست كونية تماماً كما يدّعي، بل متأثرة بالبنية
الثقافية الغربية التي تشكّل وعيه الفلسفي. بل إن بعض النقاد يرون أن جيرارد يقترب من جعل
المسيحية “الاستثناء الأخلاقي” الذي كشف زيف التضحية، بينما التاريخ المسيحي نفسه
شهد:
- محاكم التفتيش،
- الحروب الدينية،
- اضطهاد الزنادقة،
- الاستعمار باسم
الصليب.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: إذا كانت المسيحية قد كشفت آلية الكبش
الفدائي، فلماذا أعادت إنتاجها بهذا العنف؟
خامساً: هل الرغبة فعلاً محاكاة وليست
اختياراً أصيلاً؟
هذه من أكثر أفكار
جيرارد إثارة وإشكالاً. صحيح أن
الإنسان يتأثر بالمجتمع ويقلّد الآخرين، لكن اختزال كل رغباته في “المحاكاة” يبدو
مبالغاً فيه. فالإنسان قد: يحب،
- يبدع،
- يتأمل،
- يختار،
- يتمرد،
- يرفض الجماعة
نفسها.
وهذا يعني أن الذات
ليست مجرد مرآة اجتماعية بالكامل. كما أن جيرارد لا يقدّم
دليلاً حاسماً يثبت أن كل رغبة أصلها التقليد. إنه يقدّم تفسيراً قوياً، لكنه ليس تفسيراً
نهائياً. فالطفل مثلاً قد يقلّد،
لكن الفيلسوف أو الفنان أو المتصوف قد يخلق معنى جديداً لا يمكن تفسيره بالمحاكاة
وحدها.
سادساً: هل يمكن اختزال كل الظواهر الدينية في
آلية واحدة؟
هنا تبرز المشكلة
الكبرى في فلسفة جيرارد. إن اختزال الدين كله في
“العنف المؤسس” يجعل:
- التجربة الروحية،
- التأمل،
- الأخلاق،
- الحب،
- الرحمة،
- البحث الوجودي،
مجرد ظلال ثانوية للعنف. لكن الدين في تجلياته التاريخية أوسع من ذلك بكثير. فليس كل دين نشأ من التضحية، وليس كل طقس يدور حول الكبش الفدائي، وليس كل إيمان مجرد تبرير اجتماعي للعنف.
هناك أديان وفلسفات قامت على:
- التأمل الداخلي،
- اللاعنف،
- التحرر الروحي،
- الزهد،
- وحدة الوجود،
- الرحمة الكونية.
ولهذا فإن تعميم جيرارد يبدو أحياناً أقرب إلى
“نظرية كبرى” تحاول ابتلاع كل شيء.
سابعاً: هل الأديان من صنع العقل البشري؟
الرؤية التي نطرحها هنا
تنطلق من سؤال فلسفي عميق: إذا كان الله عادلاً
مطلقاً ومحبةً مطلقة، فلماذا تتناقض الأديان؟ ولماذا تنتج أحياناً العنف والطبقية
والتمييز؟ هذا السؤال قاد كثيراً
من المفكرين إلى اعتبار الأديان:
- تجليات تاريخية
للوعي البشري،
- ومحاولات إنسانية
لفهم المطلق،
- لا حقائق نهائية
مغلقة.
ومن هنا يظهر التناقض: فالإنسان يتحدث باسم الإله، لكنه يحمل معه:
- ثقافته،
- خوفه،
- مصالحه،
- قبيلته،
- تاريخه.
ولهذا تتعدد التأويلات
داخل الدين الواحد نفسه. غير أن الإنصاف الفكري
يقتضي أيضاً التمييز بين:
- النصوص الروحية،
- وبين الاستخدام
السياسي والاجتماعي للدين.
فكثير من المذابح لم
تكن ناتجة عن الإيمان وحده، بل عن السلطة حين ترتدي قناع المقدّس.
ثامناً: العراق وإعادة إنتاج العنف المقدس
ما يحدث في العراق
وإيران وغيرهما يكشف أن الإنسان الحديث لم يغادر دائرة “الكبش الفدائي”. فالطائفية الحديثة كثيراً ما تعمل وفق الآلية
نفسها:
- خلق جماعة نقية،
- وصناعة عدو نجس،
- ثم تبرير العنف
ضدّه باسم العقيدة أو الهوية.
وهكذا يتحول:
- الفساد إلى بطولة،
- والقتل إلى واجب،
- والطاعة إلى
فضيلة،
- بينما يُتهم
المختلف بالخيانة أو الكفر أو العمالة.
إنها النسخة السياسية الحديثة من الطقوس
القديمة.
خاتمة نقدية
يبقى العنف والمقدّس من أهم الكتب التي حاولت
تفسير البنية العميقة للعنف البشري، وقدّم رؤية مدهشة لكيفية تحوّل الضحية إلى
أساس للنظام الاجتماعي والديني. لكن عبقريته نفسها
تحوّلت إلى نقطة ضعف؛ لأنه حاول تفسير العالم كله بمفتاح واحد. لقد كشف جيرارد جانباً مهماً من الحقيقة، لكنه
لم يمتلك الحقيقة كلها. فالإنسان ليس مجرد كائن
يقلّد، وليس الدين مجرد آلة
عنف، وليس التاريخ كله
مذبحاً مستمراً. ومع ذلك، فإن قيمة
الكتاب الكبرى تكمن في تحذيره المرعب: أن الحضارة مهما ادّعت التقدّم، فإنها قد تعود
دائماً إلى البحث عن ضحية جديدة، ما لم يتجاوز الإنسان خوفه القديم من الآخر،
ويتصالح مع فكرة العدالة الإنسانية الشاملة التي ترى البشر جميعاً متساوين في
الكرامة والمعنى والوجود.
ومن هنا، فإن البحث النقدي في الأديان
والتاريخ والظواهر الإنسانية لا ينبغي أن يُعدّ خروجاً على الإيمان بقدر ما هو
ممارسةٌ للعقل الذي كرّمه الله وجعله أداةً للتمييز بين الحق والباطل. فالقرآن
نفسه لم يُلغِ السؤال، بل فتح أبوابه على مصاريعها حين قال:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّىٰ
يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾،
وحين دعا إلى الاحتكام إلى البرهان بقوله: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا أَوْ
أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. كما جعل التفكر والتعقل من أعلى مراتب الوعي
الإنساني في آياتٍ كثيرة من قبيل: ﴿أفلا تعقلون﴾ و ﴿أفلا تتفكرون﴾. وإذا كان الله قد منح الإنسان حق التأمل في
آيات الوجود، بل وفي إدراك دلائل الذات الإلهية بوصفه واجب الوجود، فمن غير
المنطقي أن يُمنع من دراسة الممكنات التي أوجدها الله، ومنها الأديان والتجارب
البشرية والتاريخية التي تشكلت داخل الواقع الإنساني. فالعقل الحر ليس خصماً
للحقيقة، بل أحد السبل الكبرى للوصول إليها.
تعليقات
إرسال تعليق