قصة قصيرة (من رحمِ المعاناةِ يولدُ الأمل…)

 

 قصة قصيرة (من رحمِ المعاناةِ يولدُ الأمل)

عدنان مهدي الطائي

هكذا كان يهمسُ لنفسه، لا إيمانًا راسخًا، بل عنادًا أخيرًا في وجه العدم.

استيقظَ سامرُ كعادته على صمتٍ ثقيل، صمتٍ لا يشبه الراحة، بل يشبه غرفةً أُغلقت نوافذها منذ زمن. لم يكن في يومه ما يستحق أن يُعاش، ومع ذلك نهض. ليس لأن هناك سببًا، بل لأن عدم النهوض لم يكن يحمل معنى أكبر.

   في الطريق إلى عمله، كان الناس يتحركون كأنهم يعرفون وجهتهم. وحده كان يشعر أن الخطوات لا تقوده إلى شيء، بل تدور به في دائرةٍ خفية، كأن الحياة تكرر نفسها بسخرية باردة. تذكر فجأة سؤالًا قديمًا: “إن كانت الحياة بلا معنى، فلماذا نستمر؟ لم يجد جوابًا. لكنه ابتسم.

   في المكتب، جلس أمام أوراقه. أرقام، توقيعات، كلمات بلا روح. كل شيء يبدو كأنه يؤدي دورًا في مسرحيةٍ لا جمهور لها. مدّ يده إلى النافذة، فتحها قليلًا. دخل هواء بارد، بسيط، لكنه حقيقي. توقف للحظة. هذا الهواء… لم يكن يحمل معنى، لكنه كان موجودًا.
وهذا كافٍ. في تلك اللحظة، لم يتغير العالم. لم تختفِ عبثيته، ولم تتجلَّ حكمة خفية. لكن شيئًا صغيرًا تحرك داخله: إحساس بأن التمرد على اللا معنى، هو بحد ذاته معنى.

    عند الغروب، خرج يتمشى بلا هدف. جلس على حافة النهر، يراقب الماء وهو يمضي دون أن يسأل لماذا. أدرك فجأة أنه يشبه هذا النهر… يمضي، لا لأنه يفهم، بل لأنه لا يستطيع إلا أن يمضي. همس هذه المرة بصوتٍ مسموع: “ربما لا يوجد معنى… لكن يمكنني أن أخلق لحظة.” ألقى حجرًا في الماء، فتكسرت الدوائر الصغيرة على السطح، ثم عادت إلى سكونها. ضحك… لأول مرة منذ زمن. لم يكن الأمل وعدًا كبيرًا، ولا خلاصًا نهائيًا. كان مجرد قرار بسيط: أن يعيش رغم كل شيء. وفي عالمٍ بلا معنى كان هذا التحدي أعظم شكلٍ من أشكال الأمل.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

عواطف مكبوتة قصة قصيرة.. رحلةٍ رمزيةٍ داخل متاهة الذات