إيران بين صلابة الأيديولوجيا وتحولات البراغماتية: قراءة فلسفية في ضوء تجربة الاتحاد السوفيتي

 

إيران بين صلابة الأيديولوجيا وتحولات البراغماتية: قراءة فلسفية في ضوء تجربة الاتحاد السوفيتي

بقلم الباحث والكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي

   تُثير المقارنة بين إيران اليوم وتجربة الاتحاد السوفيتي قبل انهياره أسئلة عميقة تتجاوز السياسة إلى الفلسفة التاريخية ذاتها: هل تسقط الأنظمة الأيديولوجية بسبب تخليها عن أيديولوجيتها، أم بسبب عجزها عن التكيّف معها؟ وهل البراغماتية تمثل خيانة للفكرة، أم شرطاً لاستمرارها؟

    من الناحية النظرية، تقوم الأيديولوجيات الكبرى على يقين مغلق؛ فهي لا تعترف بالحتمية التاريخية بمعناها التغييري، بل تسعى إلى تثبيت لحظة تاريخية بوصفها نهايةً للتطور. هذا ما نجده في الماركسية اللينينية كما طُبّقت في الاتحاد السوفيتي، وكذلك في الأيديولوجيا الثيوقراطية التي تحكم إيران منذ الثورة الإيرانية 1979.

     غير أن الإشكالية الكبرى تظهر حين تدخل هذه الأنظمة في صدام مع الواقع. هنا تبدأ البراغماتية، ليس بوصفها خياراً فكرياً، بل كاستجابة اضطرارية لضغوط الاقتصاد، المجتمع، والتوازنات الدولية. في الحالة السوفيتية، جاءت إصلاحات ميخائيل غورباتشوف (البيريسترويكا والغلاسنوست) محاولةً لإنقاذ النظام، لكنها في الواقع كشفت هشاشته الداخلية. لم يكن التحول إلى البراغماتية عشوائياً بقدر ما كان متأخراً، وغير متسق مع بنية أيديولوجية فقدت قدرتها على التكيّف.

    أما في إيران، فالصورة أكثر تعقيداً. فالنظام لم يتخلَّ عن أيديولوجيته، بل أعاد تأويلها باستمرار. نرى ذلك في الجمع بين خطاب ديني ثوري، وممارسات سياسية واقعية: تفاوض مع الغرب حيناً، وتصعيد حيناً آخر؛ اقتصاد موجَّه ظاهرياً، ومنفتح جزئياً في العمق؛ صراع أيديولوجي معلن، وتفاهمات غير معلنة في ميزان القوى الدولي.

من هنا، لا يمكن اعتبار البراغماتية الإيرانية "تطبيقاً عشوائياً"، بل هي براغماتية مُدارة ضمن حدود الأيديولوجيا، وليست خروجاً عليها. وهذا ما يميزها عن التجربة السوفيتية التي شهدت انفصالاً متزايداً بين الخطاب والممارسة، حتى فقد النظام شرعيته الرمزية.

    فلسفياً، يمكن قراءة هذا التباين عبر مفهوم "مرونة الأيديولوجيا". فالأيديولوجيا الصلبة تنهار حين تُجبر على التغيير، أما الأيديولوجيا المرنة فتستمر عبر إعادة تفسير ذاتها. وهنا يمكن استحضار أفكار أنطونيو غرامشي حول "الهيمنة الثقافية"، حيث لا تقوم السلطة على القسر فقط، بل على القدرة على إنتاج معنى متجدد يُقنع المجتمع بقبولها.

    مع ذلك، لا يعني هذا أن إيران محصّنة من مصير مشابه لـ الاتحاد السوفيتي. فالتاريخ لا يكرر نفسه، لكنه يعيد طرح الأسئلة ذاتها بصيغ مختلفة. التحدي الإيراني يكمن في ثلاثة مستويات مترابطة:

1.  الاقتصاد: الضغوط الناتجة عن العقوبات، والتفاوت الداخلي، قد تخلق فجوة بين الدولة والمجتمع.

2.  الشرعية: الأجيال الجديدة أقل ارتباطاً بالأيديولوجيا الثورية، وأكثر ميلاً إلى القيم العالمية.

3.  النظام الدولي: التوازن بين الولايات المتحدة والصين وروسيا يمنح إيران هامش مناورة، لكنه لا يضمن استقراراً دائماً.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن مستقبل إيران لا يتحدد فقط بمدى تمسكها بالأيديولوجيا أو تخليها عنها، بل بقدرتها على تحويل هذه الأيديولوجيا إلى إطار مرن يستوعب التغير. فإذا تحولت البراغماتية إلى أداة واعية ضمن مشروع فكري متجدد، فقد يطول عمر النظام. أما إذا أصبحت مجرد ردود أفعال غير متماسكة، فإنها قد تُسرّع في تفككه.

في النهاية، لا تسقط الأنظمة لأنها تغيّرت، بل لأنها تغيّرت متأخرة، أو دون وعي فلسفي بطبيعة التحول. وهنا يكمن الدرس الأعمق من تجربة الاتحاد السوفيتي: ليس الخطر في التحول، بل في العجز عن فهمه.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

عواطف مكبوتة قصة قصيرة.. رحلةٍ رمزيةٍ داخل متاهة الذات