حين تُستَخدم وصية الرحمة لتبرير القسوة… لم يستوصَ بهن خيرًا يا رسول الله
حين تُستَخدم وصية الرحمة لتبرير القسوة… لم يستوصَ بهن خيرًا يا رسول الله
على ضفاف خاطرة الصحفية المصرية المبدعة دعاء محمود التي قالت (لم يستوصوا بنا خيرا يا رسول الله، فقد كسروا القلوب والخواطر) في 13-4-2026
بقلم الباحث والكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي
إهداء
إلى زوجتي التي علّمتني
أن الرحمة لا تُهزم… حتى حين يخونها الجميع،
إليكِ… حيث لا ينكسر القلب،
بل يجد معنى أن يبقى حيًا.مقدمة تمهيدية (استدلالية)
النص ورد في الخطاب النبوي الشريف معنى الوصية بالنساء خيرًا، بوصفها توجيهًا أخلاقيًا يقوم على الرحمة والعدل وصون الكرامة الإنسانية، لا بوصفه شعارًا يُرفع أو يُنتقى عند الحاجة. غير أن الواقع الاجتماعي في كثير من السياقات التاريخية والمعاصرة أفرز فجوةً بين روح هذه الوصية وبين ممارساتٍ استندت إليها لفظًا، بينما خالفتها مضمونًا، حتى باتت تُستحضر أحيانًا لتجميل القسوة بدلًا من إيقافها. ومن هنا، يأتي هذا النص بوصفه صوتًا احتجاجيًا نسويًا يعيد مساءلة التطبيق لا النص، والمعنى لا الشعار.
يا رسول الرحمة،
نقف نحن النساء اليوم لا في موقع الشكوى فقط، بل في موقع المساءلة… كيف تحوّلت وصيتك التي أرادت الرحمة إلى واقعٍ يبرّر القسوة باسمها؟ لقد قيل: استوصوا بالنساء خيرًا… لكن كثيرين تعاملوا مع هذه الوصية كجملة تُقال عند الحاجة، لا كمنهج حياة يُلزم صاحبه قبل غيره. نحن لا نتكلم من هامش الصبر، بل من قلب التجربة الطويلة التي جعلت من الألم عادةً، ومن الصمت فضيلةً مفروضة لا اختيارًا. كُسرت الخواطر باسم “الفهم”، وباسم “الحق”، وباسم “الطاعة” … حتى باتت القسوة تُقدَّم أحيانًا على أنها نظام، لا انحرافًا عن الرحمة.
يا رسول الله،
لم يكن الخلل في وصيتك، بل فيمن أعادوا تشكيلها بما يخدم سلطتهم لا بما يخدم معناها. فالمرأة في كثير من الواقع لم تُرَ كما أردتها: كرامةً كاملة، بل ككائن يُطلب منه أن يتحمّل أكثر مما يُفهم. لقد صارت الرحمة في بعض السياقات خطابًا نظريًا، بينما الواقع يمارس عكسها تمامًا، ثم يستدعيها لتبرير ما يناقضها. نحن لا نطالب بامتياز، ولا نبحث عن استثناء، بل نطالب بعودة المعنى إلى أصله: أن تكون المرأة إنسانًا كامل الاعتبار، لا مساحة اختبارٍ لصبر الآخرين. نرفض أن تُستخدم الوصية لتجميل الألم، ونرفض أن يُطلب من المرأة أن تصمت كي يبدو الخطأ أقل وضوحًا، ونرفض أن يتحول الصبر إلى واجبٍ أحادي الاتجاه. إننا لا نعارض الوصية، بل نتمسك بروحها الحقيقية: الرحمة التي تحمي، لا التي تُستعمل، والعدالة التي تُنصف، لا التي تُؤوَّل، والإنسانية التي لا تُجزأ. وفي هذا السياق، لا يكون الصوت النسوي خروجًا عن المعنى، بل عودةً إليه. نحن النساء… لسنا ظلًا لفكرة، ولا تفصيلًا في خطاب، بل نحن حضورٌ كامل، حتى وإن تأخر الاعتراف به. لأننا نؤمن… أن استعادة الكرامة لا تُعد تمرّدًا، بل عودةٌ إلى جوهر الرحمة حين لا تُشوَّه.
تعليقات
إرسال تعليق