على هامش الفكرة.. نولد ما بين نضج الألم وصبر النشر
على هامش الفكرة.. نولد
ما بين نضج الألم وصبر النشر
بقلم الباحث والكاتب والناقد
عدنان مهدي الطائي
الإهداء إلى زوجتي
إلى زوجتي… رفيقة الغربة، وشاهدة تحوّلاتي بين صمتٍ يكتبني، وكلماتٍ أحاول أن
أكتبها… إليكِ، وأنتِ تقاسمينني هذا البعد عن الوطن، وتمنحين
أيامي معنىً لا تقدر عليه الأماكن… لو كان
للكتابة قلب، لكان أنتِ.
المقدمة: التأجيل ليس قاعدة… بل
أداة.
نؤجل النشر لا لأن النص
ناقص، بل لأن وعينا به قد يكون ناقصاً لحظة كتابته. هناك فرق بين اكتمال الصياغة
واكتمال الرؤية. الكاتب حين يفرغ من
نصه، يكون ما يزال داخل “حرارة التجربة”. يرى النص بعين الأب، لا بعين الناقد. التأجيل يمنحه مسافة… وهذه المسافة هي التي
تحوّل الانفعال إلى بصيرة. لكن—وهنا
الأهم— إذا كان النص فعلاً
متماسكاً من حيث اللغة والفكرة والغاية، ولا يخضع لانفعال عابر، فالتأجيل يصبح
خياراً لا ضرورة. أي أن “عدم النشر” ليس
فضيلة بحد ذاته، بل يصبح فضيلة فقط عندما يحمي النص من الاندفاع. أما الغاية الأدبية المرجوة من التأجيل فهي
ثلاث:
1. اختبار الزمن للنص: هل يصمد بعد يوم؟ بعد أسبوع؟
2. تحريره من انفعال اللحظة.
3. إعادة قراءته كقارئ لا ككاتب.
والآن… دعنا نحوّل هذا كله إلى مقالة:
ليست الكتابة فعلاً زمنياً يمكن إخضاعه لجدول،
ولا هي طقسٌ يُستدعى عند الطلب. إنها ومضة، قد تأتي بين اليقظة والنوم، أو تتسلل
خلسةً في زحام الطريق، أو تولد من وجعٍ صامت أو فرحٍ مباغت. لذلك، يبدو السؤال:
“هل نكتب كل يوم أم حين ينضج الألم؟” سؤالاً يُخطئ وجهته، لأنه يفترض أن الكتابة
تُدار بالعقل، بينما هي في جوهرها تمرّد عليه. نكتب كل يوم… نعم، ولكن ليس لأن الأفكار تأتي
كل يوم، بل لأننا نُدرّب أنفسنا على استقبالها. ونكتب عند نضج الألم… نعم، ولكن
ليس لأن الألم شرط، بل لأنه يكشف العمق الذي تعجز السكينة عن بلوغه. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في لحظة
الكتابة، بل في لحظة النشر. لماذا نؤجل النشر، إذا
كان النص قد اكتمل؟ لأن الاكتمال، في كثير
من الأحيان، وهمٌ جميل. فالكاتب حين يضع النقطة
الأخيرة، يكون ما يزال أسير انفعاله، يرى نصه بعين الرضا لا بعين المساءلة. وهنا
يصبح التأجيل فعلاً من أفعال الحكمة، لا التردد. إنه فسحة زمنية نمنحها للنص كي
يتحرر منا… ونمنحها لأنفسنا كي نتحرر منه. التأجيل ليس إنكاراً للنص، بل اختبارٌ له. هل سيبقى مقنعاً حين يبرد؟ هل سيحتفظ بوهجه
حين يغيب صاحبه عنه؟ هل سيصمد أمام قارئٍ لا
يعرف ظروف ولادته؟ ومع ذلك، فإن تحويل
التأجيل إلى مبدأ مطلق هو نوع آخر من الخطأ. فالنص الذي يكتمل فكراً ولغةً وغايةً،
لا يحتاج إلى إذنٍ من الزمن كي يُنشر. بل إن تأجيله قد يكون ظلماً له، أو خوفاً لا
مبرر له. هنا تتجلى معادلة
الكتابة: ليست في أن نكتب متى
نشاء، ولا أن ننشر متى نشاء… بل في أن نعرف الفرق بين لحظة الصدق ولحظة النضج. أما الأفكار، فهي كائنات حرة، لا تأتي على
موعد. قد تقتحم نصاً قيد الكتابة، فتربكه أو تغنيه. وهنا يُختبر الكاتب: هل يظل وفياً لفكرته الأولى، أم ينصت لنداء
الفكرة الجديدة؟ الكاتب الحقيقي لا يرفض المفاجأة، لكنه لا يستسلم لها أيضاً.
يسجّلها، يروّضها، ثم يقرر: هل هي امتداد للنص، أم بداية لنص آخر؟ هكذا، تصبح
الكتابة ليست مجرد فعلٍ عابر، بل حواراً دائماً بين ما نعيشه، وما نفهمه، وما نؤجل
قوله… حتى نقوله كما يجب.
تعليقات
إرسال تعليق