حين تُصبح الغربة اسمًا آخر للوعي

 

حين تُصبح الغربة اسمًا آخر للوعي

نصّ تأملي – عدنان مهدي الطائي

في الغربة

لا يهاجر الإنسان من مكانٍ إلى آخر فحسب،

بل يهاجر من يقينٍ إلى سؤال.

هنا، حيث لا شيء يشبه الأمس،

أمشي ببطءٍ كأنني أتعلم العالم من جديد،

كطفلٍ فقد اللغة،

أو كشيخٍ تخلّى عنه المعنى في منتصف الطريق.

في غرفتي الصغيرة داخل دار الرعاية،

حيث يتشابه الصباح مع المساء،

أجلس قرب النافذة

لا لأرى الخارج،

بل لأتأكد أنني ما زلت في الداخل.

ذاكرة لا تشيخ… وجسد يتعب

أتذكّر وطني لا كخريطة،

بل كصوت أمي وهي تناديني،

كرائحة خبزٍ ساخن،

كأصدقاء تفرّقوا دون وداعٍ كافٍ.

هناك

لم أكن أفكّر في معنى الحياة،

كنت أعيشها فقط.

أما هنا،

فكل شيء يدفعني إلى السؤال:

من أنا

حين لا يتعرّف عليّ المكان؟

وهنا يبدأ ما أشار إليه ألبير كامو،

لكن ليس كنظرية

بل كإحساسٍ بارد يسكن العظام:

أن العالم لا يشرح نفسه… ولا يواسي أحدًا.

تفاصيل صغيرة… تقاوم العدم

في دار الرعاية،

تتكرّر الأيام كأنها تحاول أن تنسى نفسها.

ممرضة تبتسم بلطف،

كوب شاي في وقته،

وجبة طعام أحيانًا لا تشبه ذاكرتي

ومع ذلك،

في هذه التفاصيل الهامشية،

أكتشف شيئًا غريبًا:

أن المعنى لا يأتي دائمًا من الأحداث الكبيرة،

بل من قدرتنا على ملاحظة ما تبقّى من الحياة.

بين القبول والتمرّد

أفكّر أحيانًا:

هل أستسلم لهذا الهدوء الثقيل؟

أم أتمرّد عليه؟

هنا يمرّ طيف فريدريك نيتشه،

كأنه يهمس لي:

لا تستعد ما فقدته… بل اصنع نفسك من جديد.”

لكن كيف؟

والعمر يمضي،

والقوة لم تعد كما كانت،

والأشياء التي تُبنى في الداخل

تحتاج شجاعة لا يراها أحد؟

الحنين: جرحٌ جميل

أدرك الآن،

أنني لا أشتاق إلى الوطن فقط،

بل إلى نفسي حين كنت هناك.

إلى إنسانٍ كان يعتقد

أن الحياة مفهومة،

وأن الطريق—مهما طال—واضح.

الحنين ليس ضعفًا،

بل شكلٌ من أشكال الوفاء

وفاءٌ لنسخةٍ منّا

لن تعود.

هل نحتاج إلى معنى… أم إلى طمأنينة؟

في ليالٍ طويلة،

حين يهدأ كل شيء إلا الفكر،

يأتيني السؤال القديم بثوبٍ جديد:

هل نبحث عن معنى

أم نبحث عمّن يطمئننا أن حياتنا لم تذهب سدى؟

هنا، لا أجد جوابًا نهائيًا،

لكنني أقترب من فكرة:

ربما المعنى ليس شيئًا نصل إليه،

بل حالة نعيشها حين نتوقّف عن الهروب.

ولادة بطيئة للمعنى

لم تعد الغربة عندي مجرّد فقد،

بل صارت اختبارًا صامتًا:

هل أستطيع أن أعيش دون أوهام كبيرة،

ودون أن أفقد قدرتي على الشعور؟

اليوم،

حين أبتسم لممرّضة،

أو أكتب سطرًا،

أو أتذكّر دون أن أنهار

أشعر أنني، بطريقة ما،

أعيد خلق معنى صغير،

لا يحتاج إلى أن يكون أبديًا

كي يكون حقيقيًا.

الخاتمة: ما الذي تبقّى؟

لم تعد الحياة بالنسبة لي سؤالًا كبيرًا

يحتاج إلى جوابٍ نهائي.

بل صارت مجموعة لحظات،

إن نجحتُ في عيشها بصدق،

فهذا يكفي.

الغربة لم تسرقني

بل أعادتني إليّ،

ولكن بعد أن نزعت عني كل الزوائد.

وهنا فقط فهمت،

ليس ما قصده ألبير كامو،

ولا ما حلم به فريدريك نيتشه

بل ما شعرتُ به أنا:

أن المعنى لا يُعطى

ولا يُنتظر

بل يُولد بصمت،

في قلب إنسانٍ تعلّم كيف يعيش… رغم كل شيء.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

عواطف مكبوتة قصة قصيرة.. رحلةٍ رمزيةٍ داخل متاهة الذات