قصة قصيرة (ذاكرة لا تخون… بل تُدين)

 

 قصة قصيرة (ذاكرة لا تخون… بل تُدين)

لم تكن الذاكرة يومًا صندوقًا نحفظ فيه ما نحب
بل كانت قاعة محكمة،
نُستدعى إليها كل ليلة… دون أن نُبلّغ.

في الغربة، لا يكون الوطن مكانًا
بل يتحول إلى نزيفٍ صامت في الوعي.

تظن أنك غادرت
لكن الحقيقة الأكثر قسوة:
أن الذي غادر هو جسدك فقط،
أما أنت… فبقيت هناك.

كل شيء هنا مؤقت:
الوجوه، اللغة، الطرقات، حتى الضحكات
إلا تلك التفاصيل الصغيرة التي رفضت أن تموت:
باب بيتك القديم،
صوت أمٍّ كانت تناديك دون أن تعرف أنها كانت تنادي عمرك كله،
وخطواتك الأولى التي ما زالت عالقة في ترابٍ لم يعد لك.

الذاكرة لا تخون
لأنها لا ترحم.

إنها لا تعيد لك ما فقدت
بل تضعك أمامه كل مرة،
كأنها تقول:
"
هذا أنت… قبل أن تنكسر."

وفي الغربة،
لا نقيس المسافة بالكيلومترات
بل بعدد المرات التي حاولنا فيها أن نقنع أنفسنا أننا بخير
وفشلنا.

كلما أغمضت عينيك،
لا تنام
بل تعود.

تسير في شوارع لم تعد موجودة،
تطرق أبوابًا يعرفها قلبك… ولا يفتحها أحد،
وتنادي أسماءً
لم يعد يردّ عليها إلا الصدى.

أقسى ما في الذاكرة
ليس أنها تُعيد الألم
بل أنها تُبقيك حيًا داخله.

ولهذا
نحن لا نخاف النسيان كما نظن،
نحن نخاف لحظةً واحدة فقط:

أن نصبح غرباء
حتى عن تلك الذكريات التي كانت يومًا… وطننا الأخير.

عدنان الطائي


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

عواطف مكبوتة قصة قصيرة.. رحلةٍ رمزيةٍ داخل متاهة الذات