من سُرقَ منه العهد؟ إسحاق أم إسماعيل… أم أننا أخطأنا فهم السؤال؟

 

من سُرقَ منه العهد؟ إسحاق أم إسماعيل… أم أننا أخطأنا فهم السؤال؟

قراءة تحليلية في جدل العهد الإبراهيمي بين النصوص والتأويل

بقلم الباحث والكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي

المقدمة: حين يتحول السؤال إلى إشكال وجودي

من أين يبدأ الخلاف… وأين تنتهي الحقيقة؟

   حين نعود إلى الجذور الأولى، لا نجد أن قصة العهد الإبراهيمي قصة انقسام بقدر ما هي قصة امتداد. امتدادٌ تشكّل عبر إسحاق وإسماعيل، لكنه ظل متصلاً في المعنى والغاية. وبين من يحصر العهد في مسار واحد، ومن يراه في مسارين، تتكشف حقيقة أعمق: أن الرسالة الإبراهيمية في جوهرها ليست صراع نسب، بل منظومة قيم تتجاوز الوراثة البيولوجية إلى الفعل الإنساني.

أولاً: مفهوم العهد في النص التوراتي

   تُظهر نصوص سفر التكوين أن الله وعد إبراهيم بأن يجعله أبًا لأمة عظيمة، وأن يبارك نسله تكثيرًا وانتشارًا. ففي (تكوين 12:1-3) يتجلى الوعد الإلهي بصيغة مفتوحة تشمل البركة والامتداد، لا الحصر. غير أن القراءة اللاحقة للنصوص تُميز بين:

  • عهد خاص ارتبط بإسحاق وذريته في بعض المواضع.
  • وبركة عامة شملت إسماعيل أيضًا وريته، حيث يُذكر أنه سيُصبح أمة عظيمة.

وهذا التمايز يفتح الباب أمام سؤال تأويلي: هل نحن أمام حصرية في العهد، أم تعددية في الامتداد؟

ثانياً: إسماعيل في سياق الوعد

   لا يغيب إسماعيل عن المشهد التوراتي، بل يحضر بوصفه جزءًا من الامتداد الإبراهيمي، إذ تُنسب إليه بركة التكثير وبناء أمة عظيمة. وهنا تتجلى مفارقة مهمة: حتى في النصوص التي تُبرز خصوصية إسحاق، لا يتم إقصاء إسماعيل من دائرة العناية الإلهية، بل يُدرج ضمن مشروع الامتداد الإنساني لإبراهيم.

ثالثاً: الرؤية القرآنية للعهد

  يقدم القرآن تصورًا أكثر شمولية للعهد، إذ ينقله من دائرة الامتيازات النسبية إلى دائرة الالتزام الإيماني والأخلاقي. فالأنبياء جميعًا في المنظور القرآني لا يُفاضَل بينهم من حيث القيمة الرسالية، بل يُنظر إليهم كحلقات في سلسلة الهداية الإنسانية: لا نفرق بين أحد منهم، وبذلك يتحول العهد من “امتياز عائلي” إلى “مسؤولية إنسانية”، ومن “نسب خاص” إلى “رسالة عامة”.

رابعاً: مسألة الأنساب بين التاريخ والتأويل

  تجمع النصوص الدينية التقليدية على أن أنبياء بني إسرائيل ينحدرون من إسحاق ويعقوب، بينما ينتمي الامتداد الآخر إلى إسماعيل وانتهاء بالنبي محمد.

خامساً: من جدل النسب إلى وحدة المعنى

عند تفكيك النصوص ومقارنتها، يمكن الوصول إلى ثلاث خلاصات رئيسية:

  • في بعض القراءات التوراتية: العهد يتخذ طابعًا خاصًا عبر إسحاق.
  • في نفس البنية النصية: إسماعيل حاضر في البركة والامتداد.
  • في الرؤية القرآنية: العهد يتحول إلى مفهوم شامل يتجاوز النسب إلى الإيمان.

وهنا يبدأ التحول الحقيقي: من سؤال “لمن العهد؟” إلى سؤال “ما معنى العهد؟”.

الخاتمة

   ربما لم يكن السؤال الدقيق يومًا: لمن كان العهد؟ بل: كيف تحوّل العهد من معنى جامع إلى ساحة نزاع على الهوية؟ فالعهد الإبراهيمي، في جوهره العميق، لا يبدو وثيقة نسب بقدر ما هو بنية قيمية تتكرر عبر التاريخ في صور متعددة، لكنها تحتفظ بروح واحدة: الهداية، والعدالة، والارتقاء بالإنسان. وإذا كانت النصوص قد اختلفت في توزيع الامتداد بين إسحاق وإسماعيل، فإنها تلتقي في نقطة مركزية واحدة: أن المصدر واحد، وأن الهدف واحد، وأن الإنسان هو الغاية لا الوسيلة.في الرؤية الإسلامية، يتخذ الامتداد الإبراهيمي عبر إسماعيل مساره حتى يبلغ ذروته في بعثة النبي محمد، بينما يستمر الامتداد الآخر عبر إسحاق داخل تقاليد بني إسرائيل. غير أن هذا التعدد لا يعني الانقسام، بل يكشف عن تنوع في طرق التعبير عن حقيقة واحدة. وهكذا، لا يعود العهد سؤال ملكية أو أسبقية، بل يصبح مرآة تكشف هشاشة الصراع حين يُبنى على النسب، وصلابة الحقيقة حين تُبنى على المعنى. فربما لم يُسرق العهد من أحد بل سُرِقَ فهمُنا لمعناه أولاً.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

عواطف مكبوتة قصة قصيرة.. رحلةٍ رمزيةٍ داخل متاهة الذات