حين تركتُ نفسي… نجوتُ.. وحين دفنتُ الأنا… تنفّستُ

 

حين تركتُ نفسي… نجوتُ.. وحين دفنتُ الأنا… تنفّستُ

بقلم الباحث والكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي

    لم أعد أخجل من مشاعري لم تعد دموعي تهمة، ولا ضعفي عارًا أُخفيه عن العيون. تعلّمت أن الإنسان لا يُقاس بما يُخفي، بل بما يجرؤ على إظهاره. تخلّيتُ عن تلك “الأنا” الثقيلة، التي كانت تطلب الانتصار في كل شيء حتى في العلاقات التي كان يكفيها أن تبقى. فاكتشفت أن بعض التنازل لا يُنقصنا، بل يُنقذ ما يستحق أن يبقى. أدركتُ، متأخرًا وربما في الوقت المناسب، أنني لستُ أطلسا العالم لا ينهار إن تعبتُ، ولا يتوقّف إن انسحبتُ قليلًا لألتقط أنفاسي. كلّ ما في الأمر أنني كنتُ أُحمّل قلبي أكثر مما يحتمل. توقّفتُ عن المساومة حتى مع بائع الفاكهة والخضار، ليس كرمًا مفاجئًا بل لأنني فهمتُ أن بعض المعارك لا تستحق أن تُخاض، وأن الربح الصغير قد يكون خسارة في إنسانيتي. لم أعد أُصحّح للناس أخطاءهم، حتى لو أكون على يقين. ليس لأنني لا أرى بل لأنني تعلّمت أن الحقيقة لا تحتاج دائمًا إلى صوتٍ عالٍ، وأن لكل إنسان رحلته الخاصة نحوها. أما السعادة فلم أعد أنتظرها على هيئة حدثٍ كبير، أو وعدٍ مؤجّل. صرتُ أصنعها بهدوء، من تفاصيل صغيرة لا يلاحظها أحد إلا قلبٌ قرّر أخيرًا أن يهدأ بلذة الوعي العميق بفكرة الفناء هو ما جعل الحياة أكثر حضورًا في عيني. حين فهمتُ أن كل شيءٍ عابر، توقّفتُ عن الركض خلف ما لا يبقى، وبدأتُ أتمسّك بما يُشبهني… ولو كان قليلًا. ربما لم أصبح أفضل إنسان، لكنني بالتأكيد أصبحتُ أخفّ، لا لأن الحياة صارت أيسر، بل لأنني توقّفتُ عن حمل ما ليس لي.. كأنني تركتُ خلفي معارك لم تكن يومًا معاركي.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

عواطف مكبوتة قصة قصيرة.. رحلةٍ رمزيةٍ داخل متاهة الذات