الجهالة كذبة التاريخ الكبرى… فمنذ السؤال الأول، كان الإنسان حديثًا

 

 الجهالة كذبة التاريخ الكبرى… فمنذ السؤال الأول، كان الإنسان حديثًا

اقتباس (لم يكن الإنسان جاهلًا… بل كان يفهم العالم بحدود وعيه، ثم يوسّعها.)

بقلم الباحث عدنان مهدي الطائي
أكتب لأفهم الإنسان… لا لأُقنعه

   ليس من الدقة الفكرية، ولا من الإنصاف التاريخي، أن نصف حقبًا كاملة من عمر البشرية بأنها عصور “جهالة” بالمعنى المطلق. فمثل هذا الحكم لا يعكس حقيقة الإنسان، بل يعكس زاوية نظر ضيقة تقيس الماضي بمعايير الحاضر، وتُسقط تفوقًا لاحقًا على بدايات كانت تحمل بذور هذا التفوق ذاته. إن الفكرة المركزية التي ينبغي إعادة النظر فيها هي: هل الحداثة مرحلة زمنية متأخرة، أم أنها خاصية أصيلة في الوجود الإنساني منذ نشأته؟

الحداثة كحالة عقلية لا كمرحلة زمنية

   الحداثة، في جوهرها، ليست اختراعًا حديثًا، بل هي تعبير عن قدرة الإنسان على التساؤل، والشك، وإعادة بناء فهمه للعالم. ومنذ اللحظة الأولى التي وقف فيها الإنسان أمام الكون متسائلًا: “من أنا؟ ولماذا أنا هنا؟”، بدأت أولى ملامح الحداثة. بهذا المعنى، فإن الحداثة ليست زمنًا، بل حالة عقلية متجددة، تتجلى كلما مارس الإنسان فعل التفلسف تجاه وجوده. وعليه، فإن كل عصر—مهما بدا بدائيًا—كان يحمل داخله شكلًا من أشكال الحداثة، حتى وإن كان محدودًا أو بسيطًا.

وهم “الجهالة المطلقة

إن القول بوجود “جهالة مطلقة” يصطدم بحقيقة تاريخية واضحة: البشرية لم تتوقف يومًا عن إنتاج المعنى. ففي كل مرحلة:

  • وُجد نظام للمعرفة، حتى لو كان أسطوريًا.
  • وُجد تفسير للعالم، حتى لو كان بدائيًا.
  • وُجد سعي للفهم، حتى لو كان محدود الأدوات.

وهذا يعني أن الإنسان لم يكن جاهلًا، بل كان عارفًا ضمن أفقه المعرفي. وإن الجهالة، إذا وُجدت، فهي ليست حالة شاملة، بل نقص نسبي في المعرفة، يُقاس بما قبله وما بعده. أما وصف حقبة كاملة بالجهل، فهو إلغاء لفاعلية الإنسان فيها، وتجاهل لتراكمه الحضاري.

التطور العقلي كقوة محركة للوجود

   منذ بداياته، لم يكن الإنسان كائنًا ساكنًا، بل كان في حالة تطور مستمر، يقوده عقله الذي يتوسع مع كل تجربة، وكل سؤال، وكل محاولة للفهم. هذا التطور لم يكن خطيًا أو متسارعًا دائمًا، بل كان:

  • بطيئًا أحيانًا
  • متعثرًا أحيانًا أخرى
  • ومتقدمًا في لحظات نادرة

لكن الثابت فيه هو أنه لم ينقطع.

وهنا يمكن القول إن ما نسميه اليوم “عصر الحداثة” ليس قطيعة مع الماضي، بل هو تراكم نوعي لمسار إنساني طويل بدأ منذ اللحظة الأولى لوعي الإنسان بذاته.

الحداثة بوصفها فعلًا أنطولوجيًا

إذا تجاوزنا الفهم الزمني للحداثة، يمكننا النظر إليها بوصفها فعلًا أنطولوجيًا (وجوديًا): أي أنها مرتبطة بطبيعة الإنسان ذاته، لا بزمنه. فالإنسان:

  • يسأل بطبيعته
  • يشك بطبيعته
  • يعيد بناء معانيه بطبيعته

وهذه الأفعال هي جوهر الحداثة. وبالتالي، فإن الحداثة لم “تبدأ” في القرن السابع عشر أو الثامن عشر، بل بدأت مع بداية الوعي الإنساني نفسه.

خاتمة: إعادة تعريف العلاقة مع التاريخ

   من هذا المنطلق، يصبح من الضروري إعادة قراءة التاريخ، لا بوصفه صراعًا بين “جهل” و”معرفة”، بل بوصفه سيرورة إنسانية متواصلة من الوعي النسبي. وعليه:

  • لا وجود لجهالة مطلقة.
  • ولا وجود لحداثة منفصلة عن جذورها.
  • بل هناك إنسان واحد، يتغير، ويتطور، ويخطئ، ويصيب… لكنه لا يتوقف عن التفكير. وإن أعظم ما في الإنسان ليس ما وصل إليه، بل أنه لم يتوقف عن المحاولة للوصول.

 

 

 

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

عواطف مكبوتة قصة قصيرة.. رحلةٍ رمزيةٍ داخل متاهة الذات