قصة قصيرة (امرأة تؤجّل الانهيار)

 

قصة قصيرة (امرأة تؤجّل الانهيار)

لم تكن “ليلى” تخاف من المستقبل
بل من اللحظة التي سيتحوّل فيها الخوف إلى حقيقة.

كانت تجلس كل مساء على حافة السرير،
تراقب أطفالها وهم ينامون،
وكأن النوم اتفاقٌ مؤقت مع الحياة:
"
سأتركهم لكِ الليلة… لكن من يدري غدًا؟"

لم تكن حياتها مأساة واحدة،
بل مجموعة احتمالات سيئة… تنتظر دورها.

زوجٌ اختفى دون وداع
لا ميتٌ يمكن البكاء عليه،
ولا حيٌّ يمكن محاسبته.

وظيفةٌ مهددة
مديرةٌ تبتسم كثيرًا
لكنها لا تُخفي قائمة الأسماء التي ستُستبعد قريبًا.

وجسدٌ بدأ يخونها
ألمٌ خفيف في البداية،
ثم فحوصات،
ثم صمت الأطباء
ذلك الصمت الذي يقول كل شيء دون أن يقول شيئًا.

كانت ليلى تعرف.

تعرف أن المرض ليس سؤالًا،
بل جوابًا مؤجلًا.

لكنها قررت شيئًا واحدًا:
لن تنهار الآن.

في الصباح، كانت تُعدّ الإفطار كأنها تؤدي طقسًا مقدسًا.
تضحك مع أطفالها،
تُصلح حقائبهم،
تُخفي ارتجاف يدها حين تسكب الشاي.

ابنها الأكبر سألها ذات يوم:
ماما… هل أنتِ بخير؟

أجابته بابتسامة مدروسة:
أنا أقوى مما تظن.

كانت تكذب
لكن الكذبة هذه المرة لم تكن ضعفًا،
بل محاولة لحماية عالمٍ صغير من الانهيار.

في العمل، وصلها البريد.

"نأسف لإبلاغك…"

لم تُكمل القراءة.

أغلقت الرسالة،
كما تُغلق باب غرفة فيها جثة
وتقرر تأجيل الاعتراف بها.

حبكة جديدة
انضمت إلى قائمة الخوف.

في المساء، جلست وحدها.

فتحت درجًا قديمًا،
أخرجت منه رسائل زوجها.

قرأتها بلا دموع.

لم تعد تبكيه
بل بدأت تشك:
هل كان وجوده حقيقيًا؟
أم مجرد مرحلةٍ مؤقتة في انهيارٍ أطول؟

ثم جاء الاتصال.

المستشفى.

صوتٌ هادئ، مهني، بلا عاطفة:
نحتاج أن نراكِ في أقرب وقت.

ابتسمت.

نعم… ابتسمت.

وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة،
ليس لتعرف
بل لتتأكد أن حدسها لم يخنها.

في تلك الليلة، لم تنم.

جلست بين أطفالها،
وضعت يدها على رؤوسهم،
وكأنها تحفظ ملامحهم باللمس.

لم تفكر: "ماذا سيحدث لي؟"
بل فكرت:
"
ماذا سيحدث لهم… بدوني؟"

وهنا فقط
اهتزّ شيءٌ عميق داخلها.

ليس خوف الموت
بل خوف الغياب.

لكن ليلى لم تبكِ.

بل قامت،
أحضرت ورقة،
وبدأت تكتب:

  • من سيوصلهم إلى المدرسة
  • من يعرف حساسية الصغير
  • من سيقرأ لهم قبل النوم
  • أين خبأت النقود القليلة

كانت تكتب
كما لو أنها تُعيد ترتيب العالم بعد اختفائها.

ثم توقفت فجأة.

نظرت إلى الورقة طويلًا

ومزّقتها.

قالت بصوتٍ منخفض،
لكنه حاسم كقرار حرب:

"لن أكون امرأة تستعد للموت
سأكون امرأة تؤجّله."

في الصباح، استيقظت مبكرًا.

لم يتغير شيء
المرض ما زال هناك،
العمل انتهى،
المستقبل أكثر غموضًا.

لكن شيئًا واحدًا تغيّر:

لم تعد تنتظر الكارثة
بل بدأت تسبقها.

خرجت مع أطفالها.

اشترت لهم أشياء بسيطة،
ضحكت أكثر من اللازم،
تجاهلت الألم الذي ينهش جسدها.

لم تكن قوية
كانت فقط تؤجل الانكسار،
بذكاء أمٍّ تعرف أن الوقت… ليس ملكها.

وفي داخلها،
كانت كل الحبكات ما تزال مفتوحة:

هل ستموت؟
هل ستجد عملًا؟
هل سيعود الزوج؟
هل سينجو أطفالها من بعدها؟

لا أحد يعرف.

حتى هي.

لكنها أدركت شيئًا أخيرًا:

أن الحياة ليست معركة نربحها
بل سلسلة تأجيلات ذكية للهزيمة.

ولهذا
لم تعد ليلى تسأل: ماذا سيحدث؟

بل أصبحت تسأل:
"
كم أستطيع أن أؤجّل؟"

عدنان الطائي

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

عواطف مكبوتة قصة قصيرة.. رحلةٍ رمزيةٍ داخل متاهة الذات