نص نثري (الأرواح الممزّقة)

 

 نص نثري (الأرواح الممزّقة)

عدنان الطائي

ليس الألم حادثةً عابرة في حياة الإنسان،
بل هو النسيج الخفي الذي نُسجت منه الحياة ذاتها.

حين كنت أنظر إلى العالم بعينٍ أبسط، كنت أظن أن الحزن خطأٌ في ترتيب الأشياء، وأن الفرح هو الحالة الطبيعية للوجود.
لكن التأمل الطويل كشف لي شيئًا آخر:
أن الحياة ليست وعدًا بالسعادة، بل اندفاعٌ أعمى لإرادةٍ لا نعرف أصلها ولا غايتها.

إنها إرادةٌ تُلقي بالكائنات في الوجود كما يُلقي البحر أمواجه على الشاطئ،
ثم تعود فتبتلعها دون أن تشرح سرّ هذه الحركة الدائمة بين الميلاد والفناء.

نحن لا نختار أن نرغب،
بل الرغبة هي التي تختارنا.

تتولد في داخلنا كجوعٍ دائم،
فإن أشبعناها لحظةً، سرعان ما تعود في صورة أخرى؛
كأن الحياة لا تريد منا أن نبلغ الراحة، بل أن نبقى في حركةٍ لا تنتهي بين النقص والامتلاء.

لهذا تبدو الأرواح أحيانًا ممزّقة.
ليس لأنها ضعيفة،
بل لأنها بدأت تدرك اللعبة الكونية التي وجدت نفسها فيها.

إن المعرفة، حين تتعمق، لا تمنح الطمأنينة كما يظن الناس،
بل تمنح وضوحًا قاسيًا.
وضوحًا يرى أن كل رغبة تحمل في داخلها بذرة ألمها،
وأن كل فرحٍ ليس إلا هدنة قصيرة في حربٍ طويلة بين الإرادة والعجز.

ومع ذلك، لا يقود هذا الفهم بالضرورة إلى اليأس الكامل.
بل إلى نوعٍ آخر من الوعي.

وعيٌ يجعل الإنسان يقف خطوةً إلى الوراء،
كأنه يشاهد الحياة لا من داخل اندفاعها، بل من حافتها الصامتة.

هناك، في تلك المسافة الهادئة، تتخفف الروح قليلًا من قبضة الإرادة.
لا لأنها انتصرت عليها،
بل لأنها فهمت عبث مقاومتها الكاملة.

حينها يبدأ نوعٌ غريب من الصفاء:
صفاءٌ حزين،
يشبه صمت المساء حين ينطفئ ضجيج النهار.

في ذلك الصمت، لا يعود الإنسان يسأل كثيرًا لماذا وُجد،
ولا يصرّ على أن يفهم سرّ الوجود كله.

يكفيه أن يرى الأشياء كما هي:
تظهر،
وتتألم،
ثم تختفي.

وهكذا تمضي الحياة أمام عينيه كأنها موجةٌ طويلة،
بين رغبةٍ تولد،
وألمٍ يتبعها،
وصمتٍ أخير يعود فيه كل شيء إلى ذلك الغموض الأول الذي خرج منه.

 

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

التقسيم البشري على أساس أولاد نوح: دراسة نقدية