حين تغيب الفلسفة… يولد الاغتراب حوار مع الباحث عدنان مهدي الطائي

 

حين تغيب الفلسفة… يولد الاغتراب

حوار مع الباحث عدنان مهدي الطائي                   

أُجري في بغداد – في مجلة الصوت الاخر العدد 346 بتاريخ 6/7/2011

المحاور (عبد الستار إبراهيم):

  المفكرون العراقيون المنشغلون بالفلسفة والجدل يُعدّون على الأصابع. هل ترى أن الفكر المعاصر بدأ يميل إلى السطحية والابتعاد عن العمق؟

عدنان الطائي:

   كل فلسفة هي ابنة عصرها، لكنها تتحول لاحقاً إلى تراث. ما نعيشه اليوم ليس هروباً إلى السطحية بقدر ما هو تحول في طبيعة التفلسف. فلسفة العصر لم تعد تدّعي الشمول، بل أصبحت أقرب إلى تفلسف العلوم كلٌ على حدة. لكن المشكلة الحقيقية ليست هنا، بل في اغتراب الفكر عن الفلسفة، حيث أصبح الإنسان يعيش حضارياً، لكنه لا يفكر فلسفياً. وهذا هو جوهر الأزمة في مجتمعاتنا.

المحاور:
هناك من يرى أن العقل العربي يميل إلى الإنشائية والسطحية، ما رأيك؟

الطائي:
   هذا حكم متسرّع. العقل العربي أنتج فلسفة في مراحل تاريخية مهمة، ولا يزال قادراً على التفلسف، لكنه اليوم يعاني من ضعف في الإبداع والاستقلالية. نحن نمتلك أدوات التفكير، لكننا لم ننجح بعد في تحويلها إلى مشروع فلسفي عالمي. ومع ذلك، تبقى فلسفتنا تعبيراً عن واقعنا، بكل ما فيه من تعقيد وتناقض.

المحاور:
ذكرتَ أن الفلسفة تعاني من الإقصاء، وأن رجال الدين لعبوا دوراً في ذلك. كيف يمكن استعادة مكانتها؟

الطائي:
  علينا أولاً أن نفهم مفهوم الاغتراب. الإنسان حين يفقد السيطرة على واقعه، يشعر أن العالم بلا معنى. الحل ليس في الصراع مع الدين، بل في التمييز بين الدين والتدين.

  • الدين: منظومة قيم أخلاقية وإنسانية
  • التدين: سلوك بشري قد ينحرف أو يُسيّس

عندما يتحول التدين إلى أداة سلطة، يبدأ الاغتراب. أما حين نعيد للدين بعده الإنساني، فإننا نستعيد التوازن.

المحاور:
هل يمكن أن يؤدي الانفتاح في مناقشة "التابو الديني" إلى تقارب بين المذاهب؟

الطائي:
  نعم، لأن الوعي بدأ يتغير. الإنسان بات يميز بين النص وتأويله. الدين في جوهره لا ينتج استبداداً، بل يدعو إلى العدل والحوار. المشكلة في تسييس الدين، لا في الدين نفسه. وكلما اقتربنا من المشتركات الإنسانية، تقلّصت الفجوات بين المذاهب.

المحاور:
ما مدى حضور الفكر الجدلي في الثقافة العراقية اليوم؟

الطائي:
  بصراحة، حضوره ضعيف. ليس لأن الفلسفة ترف، بل لأنها ضرورة. كما يقول رينيه ديكارت: "العيش دون تفلسف كأن نعيش مغمضي الأعين." لكن الواقع الثقافي يعاني من ضيق في الأفق ورفض للفكر الحر، وهذا ما يحدّ من تطور الجدل الفلسفي.

المحاور:
أنت من المهتمين بدراسة العولمة. هل ترى أنها ستُنتج عالماً موحداً؟

الطائي:
  العولمة الحالية ليست إنسانية، بل أقرب إلى ما يمكن تسميته بـ"السوبر إمبريالية".
هي توحّد العالم اقتصادياً، لكنها تهدّد الهويات. الحل ليس في رفضها، بل في أنسنتها:

  • عولمة عادلة
  • توزيع متوازن للثروة
  • احترام الهويات

بدون ذلك، سنحصل على عالم متصل تقنياً… لكنه مفكك إنسانياً.

المحاور:
يُلاحظ أن بعض كتاباتك تميل إلى الغموض، هل هو مقصود؟

الطائي:
  الفلسفة بطبيعتها معقدة، لأنها تعالج قضايا كبرى: الوجود، الموت، الحرية، الخلود لكنني أؤمن بضرورة التوازن بين العمق والوضوح. الغموض ليس غاية، بل أحياناً نتيجة لمحاولة التعبير عن أفكار عميقة بلغة محدودة.

المحاور:
هل يمكن أن يكون الغموض نوعاً من الحذر في بيئة غير متسامحة؟

الطائي:
   ربما في بعض الحالات، لكن الأصل هو أن الحرية المسؤولة تلغي الحاجة إلى التورية. حين يكون هناك احترام للرأي، يصبح الفكر أكثر وضوحاً وجرأة.

المحاور:
تُركّز كثيراً على إشكالية الاغتراب. ما الحل برأيك؟

الطائي:
الاغتراب ليس حالة فردية فقط، بل نتيجة بنية اجتماعية واقتصادية. الحل يكمن في:

  • تحقيق العدالة
  • تقليص الفوارق الطبقية
  • بناء إنسان يشعر بقيمته

كما أشار كارل ماركس، فإن الواقع الاجتماعي هو الذي يشكل وعي الإنسان. إذا تغيّر الواقع، تراجع الاغتراب.

المحاور:
في كتابك "الحداثة الرابعة"، هل ترى أن العولمة هي المدينة الفاضلة؟

الطائي:
  لا، العولمة الحالية ليست مثالية. لكن ما بعدها يمكن أن يكون أفضل، إذا قامت على مزيج متوازن بين:

  • عدالة الاشتراكية
  • ديناميكية الرأسمالية
    ضمن إطار ديمقراطي يحفظ كرامة الإنسان.

المحاور:
أخيراً… لماذا تكتب؟

الطائي:
  أكتب لأحقق ذاتي، ولأن الفكر مسؤولية. الإيمان الحقيقي لا يكون بالكلام، بل بالفعل. كما أن الفكرة التي لا تتحول إلى عمل، تبقى مجرد احتمال. الكتابة بالنسبة ليفعل وجود.

 خاتمة تحريرية

   هذا الحوار يعكس وعياً فلسفياً نقدياً يسعى إلى إعادة الاعتبار للعقل، في زمن تتكاثر فيه الأسئلة وتغيب فيه الإجابات. وبين الفلسفة والدين، والعولمة والهوية، يبقى الإنسان — كما يرى عدنان الطائي — في صراع دائم مع اغترابه… وبحثه المستمر عن معنى.

 

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

التقسيم البشري على أساس أولاد نوح: دراسة نقدية