مرثية شعر نثري (ابني الذي ترك قلبه معي)

 

مرثية شعر نثري (ابني الذي ترك قلبه معي)

(أصعب اشتياق هو إن تشتاق لقطعه من قلبك موجودة في مكان آخر)

بقلم الباحث والكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي

   أبحثُ عنك لا في الطرقات التي عرفتها أقدامنا، ولا في الغرف التي مرَّ فيها صوتك، بل في تلك المسافة الغامضة بين القلب والذاكرة. أبحثُ عنك حلمًا يمرُّ خفيفًا على جفون الليل، ولحنًا قديمًا كان يسكنُ أعماق الروح كلما ضاقت بي الحياة. أبحثُ عنك في داخلي، في ذلك المكان الذي لا تصل إليه يدُ الغياب، حيثُ تركتَ أثرَك مثل نجمٍ صغير ظلَّ مضيئًا حتى بعد أن غابت السماء. لا أخشى الموت إن جاءني يومًا على مهل، فأنا منذ زمن تركتُ عندك فؤادي أمانة، وتركتُ أحلامي تمشي في خطاك. وما زالت تلك الأحلام راسخةَ الأقدام تمضي في الزمن كشجرةٍ ضاربةٍ في الأرض لا يقتلعها الرحيل. يا فلذةَ كبدي كيف يمكن للأب أن ينسى قطعةً من قلبه وقد خرجت منه لتصير حياةً أخرى؟ أنتَ لم تكن مجرد ابن، كنتَ امتدادَ الروح وصدى الأيام الجميلة حين كان المستقبل يفتح لنا أبوابه مثل صباحٍ مشرق. كنتَ شمسًا تتوسط سمائي، تملأ نهاري دفئًا ونورًا. وكنتَ قمرًا يجلس معي في المساء حين يثقل الصمت وتطول ساعات التأمل. يقولون إن الفراق عدوُّ الأحباب. ويقولون إن الخيال جريمة الشعراء. لكنهم لا يعرفون أن الحب الحقيقي لا يهزمه الغياب، وأن الذين يسكنون القلب لا يرحلون. ستبقى مثل عطر الزهر ينتشر في فضاء روحي. ستبقى صوتًا خفيًا يناديني كلما مرَّ طيف الذكريات. ستبقى صورتك شاخصةً أمامي، كلما أغمضتُ عيني رأيتك أقرب. لا تمحوك المسافات ولا يطويك الزمن فالأبناء الذين يسكنون القلب يصبحون جزءًا من نبضه. يا حبيبي قد يأخذ الموت الأجساد، لكن الأرواح التي أحببناها تظلُّ معنا مثل ضوءٍ خافت يرشدنا في عتمة الأيام. وستبقى أنت ذلك الضوءما بقي في القلب نبض، وما بقي في الروح أثرٌ للحياة.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

التقسيم البشري على أساس أولاد نوح: دراسة نقدية