قصيدة (محاكمة القلب في محكمة العدم) رؤية تشاؤمية أبو العلاء المعري وشوبنهاور

 

قصيدة (محاكمة القلب في محكمة العدم)

رؤية تشاؤمية أبو العلاء المعري وشوبنهاور

عدنان الطائي

ليس الحزنُ
ما يسكنُ القلب أحيانًا،
بل المعرفة.
المعرفة
أن الطرق الطويلة
تنتهي
إلى المكان نفسه،
وأن الرغبات
التي أشعلت قلوبنا
سنضحكُ منها
حين يبرد العمر.

نركض
كما لو أن الحياة
جائزة كبرى،
لكننا نكتشف، متأخرين،
أنها مجرد رحلة قصيرة
بين دهشة البداية
وهدوء النهاية.

أيها القلب،
لا تغضبْ من العالم،
العالم لم يعدك بشيء.
نحنُ فقط من صدّق الحكاية.
فاجلسْ قليلًا مع حكمة الصمت،
راقب الغيم وهو يمرّ
غير آبهٍ بالبشر،
راقب البحر وهو يضحك
من صخب المدن.
هناك ستفهم شيئًا صغيرًا:
أن الوجود
ليس مأساة عظيمة،
بل قصة
أخذها البشر
بجدية أكثر مما ينبغي.

ابتسم إذن،
ليس سخرية من الحياة،
بل فهم لها.
الحكمة
ليست أن نجد المعنى،
بل أن نتعلم
كيف نعيش
حتى في غيابه.

 

أيُّها القلبُ،
تمهَّلْ
في نبضكَ ميزانٌ،
لكنَّهُ يميل حين يمرّ اسمٌ
في الذاكرة.
لا تجعلِ الشوقَ قاضيًا،
ولا تجعلِ الدمعَ وثيقةَ اعتراف.
دعِ العقلَ يجلسُ في صدر المحكمة،
هادئًا بلا رجفة.

إمّا حبٌّ
يرفعني إلى مقام الطمأنينة،
وإمّا فراقٌ
ينقذني من انتظارٍ لا ينتهي.
كن عادلًا، ولو مرّة،
قبل الانتحار.

قف
اليوم لن أعاتبك كما يفعل العاشقون.
سأقودك إلى محكمة لا قضاة فيها
إلا الحقيقة.
كم مرة صدّقت الوهم
حين ارتدى ثوب الحنين؟
كم مرة، كم مرة
الحياة ليست وعدًا،
إنها بندول يتأرجح
بين ألم الرغبة وملل تحققها.

 

أيها العقل،
اقترب قليلاً
القلب تعب من الضجيج
ومن تفسير الألم.
لقد فهمت أخيرًا
أن الحياة لا تعطي وعدًا.
إنها فقط تدفعنا إلى الرغبة.

فإن نلنا ما نشتهي،
جلس الملل بجوارنا
وإن خسرناه،
جلس الألم إلى جانبنا.
فخفف من رغباتك
تخف من عذاباتك
خفف
ليخفف العمر معنا.

أيها القلب،
لقد ركضت طويلًا
خلف سراب سمّيته السعادة.
حين لا نملك، نبكي
وحين نملك، نتثاءب
هكذا يتأرجح العمر،
مثل بندول بين وجع وملل،
فأثقل السلاسل ليست من حديد،
بل من أمنيات
أمنيات
أمنيات

 

أيها الإنسان
اكتشفت النجوم،
لكنّك لم تكتشف
لماذا تتألم.
نولد دون أن يُسأل رأينا،
ونغادر دون أن نفهم الحكاية.
نريد، فنشقى
نبلغ ما نريد، فنمل
فنعود لنريد من جديد
ونركض، ونركض،
ونركض خلف سراب

وهكذا، يبقى العمر
بين وجع الرغبات وملل تحقيقها،
بين قلبٍ محكوم وعقلٍ صامت،
وفي النهاية، لا شيء سوى معرفة
أن الحياة رحلة قصيرة
نأخذها بجدية أكثر مما ينبغي.

 

 

أيها القلب، أيها العقل، أيها الإنسان

اصغِ
كل ألم، كل رغبة، كل خيبة
كل ابتسامة باردة
كل دمعة اختارت أن تسكن الوجه
ليست سوى شهادة على أننا عشنا،
حتى لو لم نفهم شيئًا.
حتى لو لم نجد معنى
حتى لو لم نجد السعادة

فابتسم،
لا للسخرية،
بل للفهم
لأنك كنت هناك،
وعشت،
وحاولت أن تحب، أن تأمل، أن تتألم
وحتى لو فشلت،
فالحياة، يا صديقي،
مجرد بندول
يتأرجح
يتأرجح
ويبقى القلب،
في النهاية، محكومًا
على المحاولة


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

التقسيم البشري على أساس أولاد نوح: دراسة نقدية