حين يموت الشك… يولد الاستبداد والفساد قراءة فرومية في الحالة العراقية

 

حين يموت الشك… يولد الاستبداد والفساد

قراءة فرومية في الحالة العراقية

بقلم: عدنان مهدي الطائي

   إريك فروم (1900–1980)، عالم النفس الاجتماعي والفيلسوف الإنساني، لم يدرس الإنسان ككائنٍ فردي فحسب، بل كمرآةٍ تعكس مجتمعه. ومن خلال مشروعه الفكري، خاصة في كتابه Escape from Freedom، كشف حقيقة صادمة: الإنسان لا يخاف القمع بقدر ما يخاف الحرية نفسها. فالحرية، في جوهرها، ليست طمأنينة… بل قلق، شك، ومسؤولية. ولهذا، حين يواجه الإنسان هذا القلق، لا يسعى دائمًا إلى مواجهته، بل قد يهرب منه نحو ما سماه فروم: "اليقين المغلق". "إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان، ليس الخوف… بل الهروب منه نحو يقينٍ مغلق. لا تشكّ فيمن يقول لك إنه خائف، بل خفْ ممن يقول لك أن ليس عنده شكوك" هنا يضع فروم يده على جوهر الأزمة الإنسانية: الخوف ليس المشكلة… بل الهروب منه عبر التخلي عن العقل. فالإنسان، حين يعجز عن تحمّل قلق الحرية، يلجأ إلى:

  • الامتثال للجماعة(القطيع)
  • الخضوع لسلطة مطلقة
  • التماهي مع أيديولوجيات جامدة لا تقبل الشك

وبذلك، يحقق أمنًا زائفًا… لكنه يدفع الثمن هو فقدان ذاته. ففي العراق حين تحوّل الخوف إلى يقينٍ قاتل وحين نسقط رؤية فروم عليه 2003 invasion of Iraq، نجد أن المجتمع دخل في حالة خوف عميق:

  • عنف واضطراب مستمر
  • صراع نفوذ بين United States وIran
  • انهيار في بنية الدولة

هذا الخوف كان يمكن أن يتحول إلى وعي نقدي لكنه، وفق منطق فروم، تحوّل إلى هروب جماعي نحو اليقين. فأصبحنا امام سؤال وجودي :هل الإسلام السياسي: ملاذ نفسي أم قيد فكري؟ في هذا السياق، برز الإسلام السياسي الشيعي كإطارٍ يمنح:

  • هوية جاهزة
  • تفسيرًا مغلقًا للواقع
  • شعورًا باليقين في عالمٍ مضطرب

لكن هذا "اليقين" لم يكن بريئًا، بل تحوّل إلى بنية مغلقة:

  • لا تُسائل
  • لا تُراجع
  • ولا تقبل الشك

ومن هنا يتحقق تحذير Erich Fromm بدقة: حين يهرب الإنسان من القلق، يسقط في أحضان السيطرة من اليقين إلى الفساد فيكون سقوطا أخلاقيا، لان اليقين المغلق لا يقتل التفكير فقط… بل يفتح الطريق أمام الفساد. ففي غياب الشك والمساءلة نجد:

  • تُسرق الأموال العامة
  • تُهدر ثروات البلاد
  • تُستنزف موارد الأجيال القادمة

دون مقاومة حقيقية ومسؤولة، لأن المجتمع الذي لا يشكّ لا يحاسب. والمجتمع الذي لا يحاسب يُنهب. وهكذا، لم يكن الفساد في العراق مجرد خلل إداري، بل نتيجة نفسية-فكرية لغياب الوعي النقدي. لذلك سنكون امام سؤال وجودي ثاني: هل نذهب الى الخوف أم الانتحار النفسي؟ لذلك يرى فروم أن الخطر الحقيقي ليس في الخوف، بل فيما يسميه "الانتحار النفسي": أن يتخلى الإنسان عن استقلاله الفكري، ويستبدل حرية الشك بقيود اليقين. وهذا ما حدث تدريجيًا:

  • خوف صمت
  • صمت تكيّف
  • تكيّف قبول

حتى أصبح الواقع، مهما كان فاسدًا، يبدو وكأنه قدر جاء من السماء كما يصوره الإسلام السياسي.. ولاستعادة الإنسان لذاته هو الطريق الذي أشار إليه فروم حين قال: "المهمة التي ينبغي للمرء أن يضعها لنفسه، ليست أن يشعر بالأمن، بل أن يكون قادرًا على تحمّل انعدام الأمن" وهنا يكمن الحل: ليس في البحث عن يقين جديد، بل في استعادة القدرة على:

  • الشك
  • السؤال
  • النقد

ومن ثم:

  • محاسبة الفاسدين
  • استرداد المال العام
  • بناء دولة تقوم على الوعي لا الامتثال للقطيع

 خاتمة: حين يعود الشك… يبدأ الإصلاح

   العراق اليوم لا يقف على حافة أزمة سياسية فقط، بل على حافة أزمة إنسان. إما أن يستعيد الإنسان قدرته على الشك أو يستمر في العيش داخل يقينٍ يبرر ضعفه. لأن الحقيقة التي أدركها فروم مبكرًا، لا تزال صالحة اليوم: ليس الخطر في أن نخاف
بل في أن نتوقف عن التساؤل. فحين يموت الشك، لا يولد الاستبداد فقط بل يولد معه الفساد، ويُدفن الوطن بصمت. الشك لا يعني الفوضى، بل استرداد الكرامة للذات، لأن أول خطوة نحو استرداد الوطن، ليست قانونًا… ولا ثورة بل سؤال. سؤال بسيط، لكنه خطير: لماذا نخاف؟

 

 

 

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان