نص نثري (انتَ… والآخر جحيم)

 

 نص نثري (انتَ… والآخر جحيم)

عدنان الطائي

رؤية وجودية على هدي جان بول سارتر

في البدء لم يكن الصمتُ عدواً، ولا الوحدةُ منفًى.
كنتُ أنا… كينونةً تفتّش عن ذاتها في مرآة الفراغ.
أحسب أنني حرٌّ لأنني وحدي، وأنني أملك العالم لأن لا أحد يراني.

لكن ما إن دخلَ الآخرُ حياتي، حتى تغيّر ترتيبُ الأشياء.
لم تعد الغرفةُ غرفتي، ولا الخطوةُ خطوتي.
صرتُ أسمع وقع نظراتٍ لا صوت لها، وأشعر بظلٍّ يراقبني حتى في الضوء.

قالها سارتر في مسرحيته الأبواب المغلقة:
«
الجحيم هو الآخرون».
ولم يكن يقصد ناراً ولا سياطاً، بل تلك النظرة التي تُجمّدك في صورةٍ لا تملك تعديلها.

أنا في ذاتي مشروعٌ مفتوح،
أختار، وأخطئ، وأعيد تشكيل نفسي كلَّ يوم.
لكن الآخر
حين ينظر إليّ، يختزلني.
يجعلني شيئاً ثابتاً، تعريفاً نهائياً، حكماً مكتوباً بحبرٍ لا يُمحى.

أكون حراً ما دمتُ أعيش من الداخل،
فإذا عشتُ في عيون الآخرين صرتُ سجينَ تأويلهم.
هنا يبدأ الجحيم:
حين أبحث عن نفسي في تقييماتهم،
وأقيس قيمتي بميزان رضاهم،
وأرتدي القناع الذي يليق بتوقعاتهم.

غير أن المفارقة الوجودية أنني لا أستطيع الفرار منهم.
فالإنسان، عند سارتر، كائن-في-العالم-مع-الآخرين.
لا تتحقق حريتي إلا في فضاءٍ يشهدني فيه غيري،
ولا أكتشف ذاتي إلا حين أحتكُّ بوعيٍ آخر يحدّني ويكشفني في آنٍ واحد.

إذن، أهو جحيمٌ أم ضرورة؟

الآخر جحيمٌ حين يسلبني حريتي،
ويجعلني موضوعاً في مسرح حكمه.
لكنه أفقُ خلاصٍ حين أعترفُ بحريته كما أعترف بحريتي،
وحين أراه ذاتاً لا مرآةً لي.

في الرؤية الوجودية،
لسنا ضحايا نظرات الآخرين،
بل شركاء في صناعة المعنى.
فإن اخترتُ أن أعيش أصيلاً،
وأن أتحمل مسؤوليتي كاملةً عن أفعالي،
فإن نظرة الآخر لا تُفني وجودي، بل تكشف هشاشته،
وتدعوني إلى شجاعة الاختيار.

أنا مسؤولٌ عن صورتي كما أنا مسؤولٌ عن أفعالي.
لا أختبئ خلف أحكامهم، ولا أذوب في رضاهم.
فالحياة ليست امتحان قبولٍ اجتماعي،
بل تجربة حريةٍ مستمرة.

وهكذا،
يتحوّل «الجحيم» من لعنةٍ إلى وعي.
من قيدٍ إلى اختبار.
من خوفٍ إلى فرصةٍ لاكتشاف ذاتي خارج الأوهام.

انتَ
حين تخاف من الآخر، تصنع جحيمك بيديك.
وحين تعترف بحريتك أمام حريته،
تخرج من النار إلى المعنى.

فالوجود ليس أن تُرضيهم،
ولا أن تهرب منهم،
بل أن تكون — رغمهم ومعهم
اختيارك الحرّ.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

التقسيم البشري على أساس أولاد نوح: دراسة نقدية