الاغتيال في الظل: حين تُبرّر السكاكين نفسها

 

 

على هامش اغتيالات عملاء الموساد الإسرائيلي لرجالات الحكم في إيران.. تبادر لذهني سؤال قد يشمل جميع الحركات السياسية وحتى الاجتماعية في العالم باسره: هل التباهي بعمليات الاغتــيال كما يحصل الآن من قبل اسرائيل تفاخرًا ويعتبر الاغــتيال، وفق ما تعلّمه الحضارات الإنسانية عبر مراحل تطورها، بانه عملٌ يتسم بالخسّة والدناءة والجبن. ام جاء الامر نتيجة للموروث العبراني على نحو مختلف، مشيرًا إلى أن أسفار العهد القديم تتضمن، بحسب طرحه، ما يفيد التباهي بعمليات الاغــتيال وإبادة الأقوام من غير اليهود.  وجدتُ هذا السؤال عميقا وحساسا، لأنه يجمع بين السياسة، والأخلاق، والتاريخ الديني في آنٍ واحد. ولذلك أقول في مقالتي التالية:

الاغتيال في الظل: حين تُبرّر السكاكين نفسها

في العتمة، لا شيء يبدو بريئًا.
حتى الصمت… متواطئ.

بقلم الباحث والكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي

    هناك، حيث تُتخذ القرارات التي لا تُقال، لا يعود الاغتيال فعلًا معزولًا، بل يتحول إلى فلسفة كاملة: فلسفة الدم حين يتكلم باسم العقل، وفلسفة الخوف حين يرتدي قناع الحكمة. ليست الرصاصة هي البداية، بل الفكرة التي سبقتها—الفكرة التي أقنعت صاحبها أن القتل يمكن أن يكون ضروريًا… بل نظيفًا. لكن أي نظافة هذه التي تُغسل بالدم؟

   يأتي إيمانويل كانط كاتهامٍ حيّ، لا كفيلسوف. صوته ليس نصيحة، بل إدانة: الإنسان ليس وسيلة. ليس رقمًا في معادلة أمنية، ولا هدفًا في تقريرٍ استخباراتي. وحين نسمح لأنفسنا أن نحذفه كما تُحذف كلمة زائدة، فإننا لا نقتل إنسانًا واحدًا… بل نقتل المبدأ الذي يجعل الحياة ذات معنى. ومع ذلك، لا يصمت العالم. من زاوية أكثر برودة، ينهض نيكولو مكيافيلي، لا ليبرر، بل ليكشف القناع: الدولة لا تملك رفاهية الضمير. البقاء ليس فضيلة، بل غريزة. ومن لا يضرب أولًا، قد لا يجد فرصة ليضرب لاحقًا. في منطقه، الاغتيال ليس خطيئة… بل أداة تُستخدم عندما تصبح الأخلاق عبئًا.

    ومن هنا تبدأ الكارثة الحقيقية: حين تتحول الجريمة إلى خيار عقلاني. تظهر الدول—ومنها إسرائيل وغيرها—كمن يمشي فوق جثته الخاصة. تتحدث عن الأمن، لكنها تصنع خوفًا جديدًا. تتحدث عن الردع، لكنها تُنتج دائرة لا تنتهي من الدم. تقتل في الظل، ثم تخرج إلى الضوء لتشرح، لتبرر، وأحيانًا… لتتباهى. والتباهي هنا ليس تفصيلًا عابرًا، بل سقوطًا كاملًا. أن تقتل، هذا فظيع. لكن أن تتفاخر بالقتل… هذا انهيار.

   في تلك اللحظة، لا يُغتال الجسد فقط، بل تُغتال اللغة نفسها. تُفرغ الكلمات من معناها: يصبح "النجاح" مرادفًا للقتل، و"الإنجاز" مرادفًا للإلغاء، و"الأمن" اسمًا آخر للخوف المستدام. كل شيء يُعاد تعريفه، حتى لا نشعر بثقل ما نفعل. لكن الحقيقة تبقى، كشوكة في الحلق: كل اغتيال—مهما كان مبررًا—هو اعتراف ضمني بالفشل. فشل في إقناع الآخر، فشل في احتوائه، فشل في بناء عالمٍ لا يحتاج إلى القتل ليبقى قائمًا.

    وبين صرخة إيمانويل كانط وبرود نيكولو مكيافيلي، يقف الإنسان عاريًا من يقينه. لا هو قادر على التمسك بالأخلاق كاملة، ولا هو مستعد للاعتراف بأنه اختار القوة بدلًا منها. ربما لم يعد السؤال: هل الاغتيال جريمة أم ضرورة؟ بل صار: كم تبقّى من إنسانيتنا… بعد أن تعلّمنا كيف نبرّر السكين؟


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

التقسيم البشري على أساس أولاد نوح: دراسة نقدية