بين سبينوزا وفرويد: هل الشيطان كائن أم مرآة للإنسان؟

 

بين سبينوزا وفرويد: هل الشيطان كائن أم مرآة للإنسان؟

بقلم الباحث والكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي

"حين عجز الإنسان عن مواجهة ظلامه، اخترع له اسمًا فسماه الشيطان، كي لا يضطر يومًا أن يقول: هذا أنا."

    في البدء، لم يكن السؤال عن الشيطان بل عن الإنسان نفسه. كيف يمكن لكائنٍ يحمل في داخله بذور الرحمة، أن ينجب هذا القدر من القسوة؟ وكيف لقلبٍ خُلق ليحب، أن يتقن الكراهية كما لو كانت فطرته الأولى؟ هنا، يقف الفكر حائرًا بين صوتين: صوت السماء… وصوت النفس.

   حين اقترب باروخ سبينوزا من النصوص المقدسة، لم يفعل ذلك بخشوع المؤمن، بل بقلق الباحث. قرأها لا بوصفها كلماتٍ هبطت دفعة واحدة، بل كطبقاتٍ من الزمن، تراكمت فيها التجربة الإنسانية كما تتراكم حلقات الشجر. رأى أن النص ليس لحظة، بل تاريخ
وليس صوتًا واحدًا، بل صدى أصواتٍ عديدة. وفي هذا الأفق، لم يعد الشيطان كائنًا مفارقًا، بل فكرةً نمت مع خوف الإنسان من نفسه. ثم جاء سيغموند فرويد، ليُنزِل السماء إلى الأعماق. لم يسأل: من هو الشيطان؟ بل سأل: لماذا نشعر بوجوده؟ فاكتشف أن الإنسان، حين يعجز عن الاعتراف برغباته المظلمة، يخلق لها اسمًا آخر يسمّيه: الشيطان. وهكذا، لم يعد الشرُّ غريبًا عنا، بل صار يسكننا. لكن الدين، حين يتحدث، لا يهمس… بل يعلن. اذن يضع أمامنا إبليس، لا كرمزٍ فقط، بل كحكايةٍ كاملة: رفض، تكبّر، فأُقصي ثم أقسم أن يجرّ الإنسان إلى سقوطه. هنا، لا يكون الشيطان مجرد فكرة، بل خصمًا عدوًا وصوتًا آخر في معادلة الوجود. غير أن المفارقة العميقة، أن هذا “العدو الخارجي” لا يملك بابًا يدخل منه، إلا ذلك الباب المفتوح في داخلنا: النفس الأمّارة بالسوء. كأن الدين، رغم حديثه عن الشيطان، يعيدنا في النهاية إلى أنفسنا. وكأن فرويد، رغم إنكاره للشيطان، لم يفعل أكثر من كشف صورته الخفية فينا. هنا، يلتقي الطريقان دون أن يتطابقا:

  • الفيلسوف يقول: لا شيطان إلا أنت.
  • والدين يقول: احذر شيطانًا يعرفك أكثر مما تعرف نفسك.

    لكن كليهما يتفق، دون أن يعترف: أن المعركة الحقيقية ليست في الخارج. فهل الشيطان كائن؟ أم مرآة؟ ربما كان الاثنين معًا أو ربما لم يكن أيًّا منهما كما نتخيل. ربما كان الاسم الذي نطلقه على تلك اللحظة التي ننهزم فيها أمام أنفسنا، ثم نبحث عن شماعةٍ نعلّق عليها ضعفنا. في النهاية، لا يبقى السؤال: هل الشيطان موجود؟ بل: لماذا نحتاج إليه؟ هل لأنه يفسّر الشر؟ أم لأنه يخفف عنا عبء الاعتراف به؟ وهكذا، يظل الإنسان معلقًا بين تأويلين: بين من يرى الدين صوت السماء في قلبه، ومن يراه صوته وهو يحاول أن يفهم السماء. وفي الحالتين، يبقى الشيطان كائنًا كان أم فكرة ظلًّا طويلاً يمشي إلى جانب الإنسان حيثما ذهب.

 

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

التقسيم البشري على أساس أولاد نوح: دراسة نقدية