الفيلم التسجيلي: النشأة، المفهوم، والوظيفة الجمالية والاجتماعية

 

الفيلم التسجيلي: النشأة، المفهوم، والوظيفة الجمالية والاجتماعية

عدنان الطائي

مقدمة

يُعدّ الفيلم التسجيلي أحد أهم أشكال التعبير السينمائي التي توثّق الواقع الحقيقي للجماعات الإنسانية، منذ نشأة الفن السينمائي في أواخر القرن التاسع عشر. وقد ارتبط هذا الجنس السينمائي منذ بداياته برغبة صناع الأفلام في تسجيل الحياة اليومية وتحليلها وتفسيرها، بعيدًا عن الخيال الروائي والتكلف التمثيلي. ومن هذا المنطلق، أصبح الفيلم التسجيلي أداة معرفية واجتماعية تحمل قيمة فنية وتأثيرًا مجتمعيًا لا يقل أهمية عن غيره من أشكال التعبير الفني المعاصر.

أولًا: نشأة الفيلم التسجيلي وتطوره التاريخي

يرجع أصل السينما التسجيلية إلى بدايات السينما نفسها في العام 1895، حين صور الأخوين لوميير مشاهدًا من الواقع اليومي مثل خروج العمال من المصنع ووصول القطار إلى المحطة، وهي أعمال اعتُبرت من أول صور التسجيل الواقعي للحياة على الشاشة. يُنظر إلى هذه الأعمال باعتبارها بدايات الفيلم التسجيلي، رغم افتقارها إلى البناء الفكري الذي يُميّز الفيلم التسجيلي الحديث، إذ كانت مجرد تسجيلات قصيرة لمشاهد واقعية .

   في عشرينيات القرن العشرين، برز المخرج الأمريكي روبرت فلاهرتي، الذي قدَّم أعمالًا ذات بنية سردية تسجيليّة مثل فيلم Nanook of the North (1922)، وقد اعتُبر هذا الفيلم من أولى الأعمال التسجيلية الطويلة التي جمعت بين التوثيق الفني والاهتمام الإنساني. كما برز الناقد والمخرج جون غريرسون في العام 1926 بعد أن صاغ مصطلح Documentary في مراجعته لفيلم Moana، وقد أثار تعريفه للفيلم التسجيلي باعتباره “المعالجة الإبداعية للواقع” جدلًا واسعًا في الدراسات النقدية للأفلام التسجيلية

   هكذا تدرّج تطوير الفيلم التسجيلي من تسجيلات واقعية بسيطة في بدايات السينما إلى إنتاجات تتمتع ببناء فني واستقصائي يطمح إلى التأثير في المتلقي وإعادة صياغة الواقع بصريًا وفكريًا. (

 ثانيًا: تعريف الفيلم التسجيلي وتميّزه عن الأنماط الأخرى

   تتسم الأفلام التسجيلية بالاعتماد على الواقع المادي المباشر، على عكس الأفلام الروائية التي تعتمد على تركيب قصصي خيالي وشخصيات تمثيلية. وقد شكّل تعريف جون غريرسون للفيلم التسجيلي كنمط فني يستغل السينما لمراقبة الحياة وتفسيرها بشكل إبداعي، نقطة مرجعية في الدراسات النقدية، رغم استمرار الجدل حول ما إذا كانت التعاريف التقليدية كافية لفصل النوع التسجيلي عن غيره من الأفلام الواقعية. ويمكن تعريف الفيلم التسجيلي بأنه عمل سينمائي يستند إلى الوقائع الحقيقية ويركّز على معالجة إبداعية للواقع، بحيث يتيح للمشاهد فهمًا أعمق لقضايا المجتمع والإنسان، بعيدًا عن الخيال والتجسيد المسرحي أو الكوميدي. هذا التعريف يُبرز الفرق بين الفيلم التسجيلي والأنواع الأخرى مثل الفيلم التعليمي أو الإعلان الترويجي، التي تقتصر غالبًا على نقل الوقائع أو المعلومات دون بناء فني أو رؤية تحليلية.

ثالثًا: مراحل إعداد الفيلم التسجيلي تمرّ عملية إعداد الفيلم التسجيلي بعدة مراحل منهجية أساسية، يمكن إجمالها كما يلي:

.1اختيار الموضوع والبحث الأولي

   ينطلق صانع الفيلم من تحديد موضوع ذو أهمية معرفية أو اجتماعية، ثم يقوم بجمع المعلومات والبيانات التاريخية أو المعاصرة ذات الصلة، بما يساعد في تشكيل رؤية واضحة لمعالجة الموضوع.

.2 الزيارات الميدانية وجمع المواد الأصلية

   تشمل هذه المرحلة زيارة المواقع الحقيقية، والتفاعل مع الشخصيات الحقيقية التي ستظهر في الفيلم، مما يعزّز مصداقية العمل وقوة تأثيره على الجمهور.

.3 كتابة السيناريو التسجيلي

    يختلف نص الفيلم التسجيلي عن السيناريو الروائي؛ إذ لا يعتمد على حبكة خيالية مكتوبة مسبقًا، بقدر ما يقوم على فكرة رئيسية يتم بناؤها وتنقيحها خلال عملية المعالجة الفنية للمادة.

 .4 الإخراج والمونتاج

   تتضمن المرحلة الفنية استخدام تقنيات المونتاج لترتيب اللقطات وإنتاج نسق بصري متكامل، يتم فيه حذف اللقطات غير الضرورية وإعادة صياغة التسلسل الزمني، وقد تطورت تقنيات المونتاج عبر التاريخ من آلات تقليدية مثل الموفيولا إلى أنظمة رقمية حديثة.

.5 التعليق الصوتي والمعالجة النهائية

يلعب التعليق الصوتي دورًا مهمًا في ربط الأحداث وشرح سياقاتها المعرفية للمشاهد، مما يعزّز فهم الأفكار المقدَّمة في الفيلم.

رابعًا: الوظيفة الجمالية والاجتماعية للفيلم التسجيلي

   أصبح الفيلم التسجيلي أداة تحليلية واجتماعية تتجاوز وظيفة التوثيق البحت، إذ يُستخدم لطرح القضايا الكبرى والأحداث التاريخية والسياسية والاجتماعية، ويسعى إلى تشكيل وعي جمهور المشاهدين، ويُعدّ مرجعًا بصريًا لفهم التحولات في المجتمعات الحديثة. تمتد أهمية الفيلم التسجيلي أيضًا إلى مجالات التربية والتثقيف والإعلام، حيث يُوظَّف في المؤسسات التعليمية والثقافية لشرح الظواهر الاجتماعية وتحليلها، وقد ظهر ذلك جليًا في استخدام هذا النوع في برامج التلفزيون الثقافية والتعليمية.

خاتمة

هذا النوع من السينما، منذ نشأته مع أولى خطوات الفن السينمائي، مرّ بتحولات منهجية وفكرية جعلته أكثر من مجرد تسجيل للواقع؛ فقد أصبح فنًّا نقديًّا قادرًا على توثيق التاريخ، وتحليل الأحداث، وتعميق فهم الإنسان لعالمه. وبذلك فإن الفيلم التسجيلي يظلّ عنصرًا أساسيًا في الثقافة السينمائية الحديثة، يمتد تأثيره ليشمل الفنون، والثقافة، والتاريخ والمجتمع.

مراجع ومصادر علميةموثّقة

مراجع باللغة الإنجليزية:

  • Aufderheide, Patricia. Documentary Film: A Very Short Introduction. Oxford University Press, 2007. (OUP Academic)
  • Documentary film – Encyclopaedia entry, Wikipedia. (ويكيبيديا)

مراجع باللغة العربية:

  • «ماهية الفيلم التسجيلي/ الوثائقي»، الجزيرة الوثائقية. (الجزيرة نت)
  • «تاريخ الفيلم التسجيلي ومدرسته البريطانية»، الجزيرة الوثائقية. (الجزيرة نت)

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

الإبراهيمية: بين دعوة التعايش ومشروع التطبيع