الأساطير بين الخيال والواقع

 

الأساطير بين الخيال والواقع

قراءة جدلية في البنية النفسية والاجتماعية للأسطورة

بقلم عدنان الطائي

   كاتب وباحث عراقي أسترالي، يشتغل على القضايا الفلسفية والنقد الثقافي من منظور جدلي يجمع بين التحليل الاجتماعي والتأمل الوجودي. تعالج كتاباته موضوعات الأسطورة والوعي والحداثة في إطار يسعى إلى تجديد الفكر وإعلاء دور العقل في قراءة الواقع.

المقدمة

تُعدّ الأسطورة من أقدم أشكال التعبير الإنساني عن الوجود، وقد شغلت الفكر الفلسفي والأنثروبولوجي والنقدي بوصفها ظاهرة تتجاوز حدود الحكاية إلى أفق الرمز والوعي الجمعي. غير أن السؤال الذي ظلّ مطروحاً يتمثل في طبيعتها الحقيقية: هل الأسطورة انعكاس بريء لوجدان الجماعة وأحلامها، أم أنها بنية فكرية تؤدي وظيفة أيديولوجية تتصل بعلاقات القوة والصراع الاجتماعي؟

تنطلق هذه المقالة من فرضية مفادها أن الأسطورة تمثل في آنٍ واحد تعبيراً نفسياً تعويضياً عن الرغبات الإنسانية، ووظيفةً اجتماعية تاريخية ارتبطت ببنية السلطة والصراع الطبقي. وعليه، فإن مقاربة الأسطورة لا يمكن أن تقتصر على بعدها الجمالي أو الرمزي، بل تقتضي قراءة جدلية تجمع بين التحليل النفسي كما بلوره فرويد في تفسير الحلم، وبين المادية التاريخية كما صاغها ماركس في تحليله للبنية الأيديولوجية، فضلاً عن استحضار الإطار الفلسفي عند كانط وهيغل وغيرهما. ومن هذا المنطلق نحاول الكشف عن العلاقة المركبة بين الخيال والواقع، وبين الحدس والعقل، وبين الرغبة الفردية والبنية الاجتماعية.

أولاً: الأسطورة بوصفها تعبيراً عن الوجدان الجمعي

تُعتبر الأساطير نوعاً من القصص الشعبية البدائية الأولى، تستمد مادتها من مصادر متباينة سيطرت على الأذهان حتى تحولت إلى ما يشبه البديهية الأدبية التي ترى في الأسطورة مجرد انعكاس موضوعي للعلاقات الاجتماعية وآمال الناس وأحلامهم اليومية، أي تعبيراً عما يُسمى بـ “وجدان الجماعة”. ووفق هذا التصور، لا يكون البطل الأسطوري سوى مرآة عاكسة لصورة المجتمع الذي نشأ فيه.

غير أن هذا الفهم، على أهميته، لا ينفي البعد الذاتي في تكوين الأسطورة. فالرغبات الإنسانية حالة فطرية نشطة يسودها التناقض واللامنطقية، وتبعث على القلق ما دامت غير مشبعة. ومن هنا، لا يوجد تعارض حقيقي بين كون الأساطير نابعة من اللذات والرغبات البشرية، وبين كونها تعبيراً عن واقع البيئة والجماعة؛ فالجزء بعض الكل، والذات الإنسانية واحدة في جوهرها عبر الأزمنة والأمكنة.

ثانياً: وحدة المخيلة الإنسانية وتشابه أساطير الخلق

إذا نظرنا إلى أساطير الخلق في الفكر البابلي والسومري والمصري والإغريقي والهندوسي، وجدنا تشابهاً واضحاً في البنية العامة: صراع قوى علوية، نشأة الكون من فوضى أولى، علاقة متوترة بين الآلهة والإنسان. ورغم اختلاف التفاصيل، يبقى الجوهر واحداً، مما يشير إلى وحدة التجربة الوجودية للإنسان في سعيه لفهم العالم.

هذا التشابه يعزز فكرة أن الأسطورة ليست مجرد نتاج بيئة محلية، بل تعبير عن حاجة إنسانية عميقة إلى المعنى. فهي تمثل حلماً جماعياً بحياة أفضل، وتعويضاً رمزياً عن الفشل والمعاناة. وبهذا المعنى يمكن النظر إليها بوصفها “حلم يقظة”، وهو تصور يقترب من تحليل فرويد للحلم باعتباره تحقيقاً رمزياً لرغبة مكبوتة.

ثالثاً: الأسطورة والبنية الأيديولوجية

قبل ظهور الديانات التوحيدية، شكّلت الأساطير في كثير من المجتمعات البنية الفوقية للأيديولوجيا السائدة. فهي، وإن حملت قيماً أخلاقية كالتسامح والمحبة، أدت في أحيان كثيرة وظيفة تبريرية للسلطة، إذ منحت الحكام مشروعية مستمدة من قوى علوية.

ومن منظور التفسير الجدلي للتاريخ، يمكن النظر إلى الأسطورة بوصفها تجريداً للواقع ومحاولة للانعتاق منه، لكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى أداة لتكريس البنى الطبقية القائمة. وهنا يظهر التناقض: فهي أداة عزاء للفقراء، ووسيلة ضبط أيديولوجي بيد الطبقات المهيمنة.

بهذا المعنى، لا تكون الأسطورة مجرد خيال بريء، بل إحدى الآليات التي ساهمت تاريخياً في حجب التناقضات الاجتماعية، عبر نقل الصراع من مستوى الواقع المادي إلى مستوى الغيب والماورائيات.

 رابعاً: الحدس، اللاوعي، وإشكالية العقل

ترتكز الأسطورة في بنيتها على الحدس والخيال أكثر من اعتمادها على البرهان العقلي. والحدس، وإن كان أداة معرفية معترفاً بها في علم النفس، يظل دون التجربة والعلاقات العينية مجرد تصور ظني. فالحدس ليس نظاماً منفصلاً عن العقل، بل هو متداخل معه ومتأثر بالوعي والخبرة.

غير أن تحويل الحدس إلى أداة مستقلة ومطلقة يؤدي إلى إضعاف منطقية العقل، وإلى تغليب التفسير الغيبي على الفهم العلمي. ومن هنا نشأ التوتر التاريخي بين الأسطورة والعلم. فالعلم ينظر إلى الموت والوجود باعتبارهما ظواهر طبيعية خاضعة لقوانين التغير والصراع الجدلي، بينما تمنح الأسطورة تفسيراً رمزياً يتجاوز السببية المادية.

ولعل في قول هيغل إن “الأسطورة هي الخط المقلوب للقياس الفلسفي” إشارة إلى أنها تمثل مرحلة سابقة من تطور الوعي، لا يمكن فهمها إلا في سياقها التاريخي.

الخاتمة

يتبين من هذا العرض أن الأسطورة ليست وهماً خالصاً ولا حقيقة مطلقة، بل تركيب معقد يتداخل فيه النفسي بالاجتماعي، والرمزي بالمادي، والحدسي بالعقلي. فهي تعبير عن حاجة إنسانية عميقة إلى المعنى، ومحاولة أولى لتفسير الكون، لكنها في الوقت ذاته قد تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج أنماط معينة من الوعي تخدم البنى السائدة.

ومن ثم، فإن تجاوز الأسطورة لا يعني إنكارها، بل إدراجها في سياق تطور الوعي البشري، حيث يصبح العقل العلمي امتداداً تاريخياً للمخيلة الأولى. فالإنسان، في بحثه الدائم عن المعنى، انتقل من تفسير العالم بالرمز إلى تفسيره بالقانون، دون أن يفقد حاجته إلى الخيال بوصفه بعداً إنسانياً أصيلاً.

وهكذا تبقى الأسطورة شاهداً على وحدة التجربة الإنسانية بين الخيال والواقع، وبين الحلم والتاريخ.

المراجع

1.  سيغموند فرويد، تفسير الأحلام.

2.  كارل ماركس، الأيديولوجيا الألمانية.

3.  إيمانويل كانط، نقد العقل المحض.

4.  جورج فيلهلم فريدريش هيغل، محاضرات في فلسفة الدين.

5.  ميرسيا إلياده، الأسطورة والواقع.

6.  كلود ليفي-شتراوس، الأسطورة والمعنى.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

الإبراهيمية: بين دعوة التعايش ومشروع التطبيع