موت اللغات في زمن العولمة: بين الانقراض والحفاظ على الهوية

 

موت اللغات في زمن العولمة: بين الانقراض والحفاظ على الهوية

عدنان الطائي

    يرى علماء اللسانيات أن اللغة والهوية متلازمان، فالمقصود بالهوية هنا هوية الفرد والمجتمع على حد سواء، ما يجعل من اللغة مكوّنًا أساسيًا في تأسيس الكيانات الاجتماعية والسياسية. ومن هذا المنطلق، تلعب اللغة دورًا مركزيًا في تحقيق الاستقرار أو زعزعة المجتمعات، إذ ترتبط الصراعات العرقية في كثير من الأحيان بمسائل لغوية، عندما يحدث تماهٍ بين العرق والوحدة اللغوية دون دراسة أكاديمية متخصصة لمصطلحات مثل العرق، والقومية، والشعب، والجنسية. النتائج في كثير من الحالات تتضمن انقراض بعض اللغات بفعل عوامل سياسية واجتماعية.

     إن مسألة انقراض اللغة لا تعني مجرد اختفاء جهاز اتصالي، بل تعني انقراض أمة وضياع ثقافة وإرث تاريخي. ويُظهر الواقع المعاصر انبعاثًا معاكسا لبعض الهويات اللغوية، إذ تحاول شعوب متعددة مواجهة الواحدية اللغوية التي تبشر بها العولمة، والتي تميل إلى هيمنة لغات غالبة على حساب اللغات المحلية. فنجد مثلاً اللغة البيلاروسية تسعى للعودة إلى التداول العام بعد أن كادت الظروف المعاصرة تهمشها، وكذلك اللغة الكورية التي واجهت تأثيرات لغات أخرى، فضلًا عن الجهود العربية والأمازيغية والكردية والتركية لحماية لغاتهم وتعزيز حضورها.

السياسة اللغوية وعلاقتها بالهوية

   حينما تقترن السياسة باللغة، فإنها تعني — كما يعرّفها إلجين — “المواقف الرسمية التي تتخذها الحكومات تجاه استعمال اللغة ورعايتها، سواء كانت مدعومة بشكل فعلي كإقرار القوانين وتمويل البرامج، أو كانت مدعومة بخطب وقرارات على الورق”. ومن هذا المنطلق، تصبح السياسة اللغوية نوع التعامل الرسمي لأجهزة الدولة مع اللغة أو اللغات المستعملة داخل كيان سياسي معين، وما يترتب عليه من تأثير في توزيع القوة والتماسك الاجتماعي.

وعلى أساس هذا الفهم، يميّز دينس أجير نوعين من السياسات اللغوية:

1.  السياسة اللغوية الأحادية: تركز على تحقيق الوحدة الوطنية والوفاق الاجتماعي من خلال اعتماد لغة واحدة كلغة رسمية، بينما تبقى اللغات الأخرى مهمشة، وغالبًا ما يصاحب هذا النوع من السياسات قهر اللغات الأخرى.

2.  السياسة اللغوية متعددة الأطياف: تعتمد تصورًا أرحب لمفهوم الوفاق الاجتماعي، معتبرة أن قوة المجتمع في تنوعه اللغوي والثقافي، ما يستدعي تحويل السياسة اللغوية إلى فلسفة تُعمل لتحقيق التوازن بين الجماعات اللغوية المختلفة.

التاريخ والدروس المستفادة

   لقد أظهر التاريخ كيف يمكن أن يؤدي تفضيل لغة واحدة على أخرى إلى نزوعات للهيمنة السياسية والثقافية؛ فاليونانيون اعتبروا المتكلمين بغير اليونانية “برابرة”، والسريان والعبرانيون اعتبروا لغاتهم أعلى منزلة من لغات الآخرين، مما نتج عنه نزعات للهيمنة على الشعوب الناطقة بلغات أضعف مكانة. وفي أوروبا، أدّت هيمنة النورمنديين في بريطانيا إلى فرض اللغة الفرنسية على الإنجليزية، غير أن التاريخ سار لصالح الإنجليزية بعد ضم نورماندي إلى فرنسا. هذا التاريخ يوضح أن التعدد اللغوي واقع لا يمكن إنكاره، وأن أي سياسة لغوية رشيدة يجب أن تعمل على تعزيزه بدل محاربته. فموت اللغة يعني خسارة لا يمكن تعويضها، والذين يسعون إلى القضاء على لغات أخرى، مهما كان الدافع، يجهلون قيمة التنوع اللغوي في اللسان والذاكرة الجماعية.

العولمة وانقراض اللغات: الإحصاءات العالمية

    تشير بيانات من منظمة اليونسكو (UNESCO) وEthnologue إلى أن العالم يشهد أكبر موجة لانقراض اللغات منذ قرون، مع تزايد هيمنة اللغات العالمية مثل الإنجليزية والصينية والإسبانية على حساب اللغات المحلية. ويوضح الجدول التالي حالة اللغات حول العالم وفق مستوى الخطر:

الفئة

عدد اللغات

نسبة من مجموع اللغات

مستوى الخطر

كل اللغات الموثقة

7,117

100%

لغات مهددة بالانقراض

3,171

44.5%

انقراض محتمل خلال جيل واحد إذا لم تُحم

لغات معرضة للخطر الشديد

1,200

16.9%

أقل من 10,000 متحدث نشط

لغات انقرضت بالفعل

454

6.4%

بلا متحدثين حاليين

لغات مستقرة

2,292

32.2%

لديها عدد كافٍ من المتحدثين ويتم نقلها للأجيال الجديدة

المصدر: اليونسكو (2024)، Ethnologue (2024).

هذا الجدول يوضح حجم الخطر الذي تواجهه لغات العالم، ويؤكد أن أكثر من 40% من اللغات مهددة بالانقراض إذا لم تُتخذ إجراءات حقيقية للحفاظ عليها ونقلها للأجيال القادمة.

البعد الديني والثقافي

   الإسلام أكد على قيمة التعددية اللغوية حين قال تعالى: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم”. هذا التأكيد القرآني يعكس أن كل لغة تحمل رسالة وقيمة ثقافية وروحية. وقد أوضح أبن حزم في الأحكام في أصول الأحكام أن كل لغة يمكن أن تحمل كلام الله تعالى، وأنه لا يمكن للغة بعينها أن تكون مطلقة الأفضلية على سواها. جهود الحفاظ على اللغات في مواجهة خطر الانقراض، ظهرت مبادرات عالمية ومحلية تهدف إلى حفظ اللغات والحفاظ على تراثها، تشمل:

  • برامج تعليمية مخصّصة لتعليم اللغات الأصلية في المدارس والمجتمعات.
  • توثيق اللغات عبر قواعد بيانات ومكتبات صوتية ورقمية.
  • دعم الفنون والأدب المحلي والمواد الإعلامية باللغات الأصلية.
  • استخدام التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي لتطوير موارد تعليمية وحفظ النطق والمعرفة اللغوية.

مثل هذه الجهود ليست مجرّد حماية للغة فحسب، بل حماية للهوية الثقافية وحقوق الإنسان وذاكرة المجتمع.

خاتمة

    اللغة جزء أساسي من الهوية، ولذلك يجب الحفاظ عليها ورعايتها وتطويرها، تحقيقًا لمقاصد الله تعالى من الاختلاف في الألسنة والألوان. علينا ألا نساهم في القضاء على لغات عديدة بالادعاء العامي والساذج بأن لغتنا أفضل أو أن لغة واحدة تعني وطنًا واحدًا. العولمة، بما هي مزيج من القهر النفسي والرمزي والعسكري والاقتصادي، تعكس ضعف النموذج الذي تفرضه، وامتناعها عن رؤية جماليات الاختلاف. ومن هذا المنطلق، يصبح الحفاظ على التعددية اللغوية واجبًا حضاريًا وإنسانيًا وأخلاقيًا، وحقًا من حقوق الإنسان في الحفاظ على تراثه وتاريخه.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

الإبراهيمية: بين دعوة التعايش ومشروع التطبيع