الإنشاد الديني بين القديم والحديث

 

الإنشاد الديني بين القديم والحديث

المقدمة

    الإنشاد الديني عريق في نشأته، فهو رافق الإنسان منذ اعتناقه العقائد الدينية على اختلاف أنواعها، سواء كانت وثنية أو إلهية جاء بها أحد الأنبياء. ويمتد تاريخ نشأته إلى العصور السومرية والأشورية والكلدانية والبابلية وغيرها من الأقوام التي سكنت العراق، حيث ولدت أولى الحضارات في العالم (Kilmer, 1980; West, 1994).

   كانت تلك الديانات تقريبا وثنية، تختلف شعائرها باختلاف الزمان والمكان، حيث كان لكل سلالة بشرية إله خاص تعبده وتقدم له النذور والقرابين، ومن الآلهة التي عبدها قدماء البشر في مدن مختلفة الشمس والقمر، والنجوم، والأرض، وغيرها. كما اختلفت ديانات هؤلاء عن ديانات الأقوام التي عاشت قبلهم أو بعدهم، وهو ما يوضح التنوع الروحي والطقسي الذي واكب البشرية منذ فجر الحضارة.

الإنشاد الديني في العصور القديمة

   لم يكن الإنشاد الديني وقتئذ متطورًا كما هو عليه اليوم، إذ اعتمد أداءً بسيطًا ينسجم مع طاقات الناس الذهنية والروحية. وكان غالبًا يُؤدى بمصاحبة آلات موسيقية بدائية أو آلات لم يُعثر على أشكالها حتى في المتاحف التي تضم آثار تلك العصور السحيقة (West, 1994).

   أدى الإنشاد في مناسبات عدة مثل الأعياد أو أيام العبادة الوثنية أو عند وفاة أحد الملوك. ومع تطور الحضارات، تطورت أساليب الإنشاد، وأخذت الديانات السماوية تستفيد من هذه الأساليب، مضيفةً قواعد منظمة للأداء الصوتي.

الإنشاد الديني في الجزيرة العربية قبل الإسلام

   قبل الإسلام، كانت الأناشيد الدينية شائعة في الجزيرة العربية، متأثرة باليهود والنصارى المنتشرين فيها. ومن الأدلة التاريخية استقبال الجواري من بني النجار للنبي محمد ﷺ في يثرب يوم الهجرة الكريمة بالأناشيد الدينية (Shiloah, 1995).

    مع بروز الإسلام، أخذ المسلمون بترتيل آيات القرآن الكريم وأداء الأذان والتسبيح وفق أسلوب صوتي محدد، مستفيدين من تطور الكلام في الشعر والنثر وارتقاء أساليب البلاغة وسمو المعاني فيهما.

تطور الإنشاد الديني في العصر الإسلامي

لم يقف الإنشاد عند ترتيل آيات القرآن وأداء الأذان، بل امتد ليشمل:

1.  القصائد التي تمجد عظمة الباري تعالى

2.  المدائح النبوية الشريفة التي تشيد بأفضال النبي محمد ﷺ

3.  المدائح التي تمجد فضائل آل وصحابة النبي ﷺ

وكان للمتصوفة الأثر الأبرز في أداء هذه الأناشيد بجميع أصنافها (Shiloah, 1995; al-Faruqi, 1985).

الإنشاد الديني في العصر الحديث

  اليوم، أصبح الإنشاد الديني وليداً للتقاليد القديمة، لكنه تطور كثيرًا وأصبح يُؤدى وفق أساليب فنية سامية حسب قوانين موسيقية ثابتة. كما تنوعت مناسباته لتشمل:

  • المناسبات الدينية مثل مولد النبي ﷺ أو ذكرى وفاته وذكرى وفاة أحد الأئمة
  • المناسبات الشعبية والعامة
  • المناسبات الخاصة مثل وفاة أحد الأشخاص أو الاحتفالات بالمولد لما لهذا الفن من مكانة مرموقة، يحظى المؤلفون والمؤدون باحترام كبير. ومن أبرز رواد العصر الحديث في هذا المجال:

الملا عثمان الموصلي

   ولد في مدينة الموصل، وقد اختلف الباحثون حول سنة ميلاده، بين 1256هـ و1271هـ، ويُذكر أن نسبه حسب أحفاده: الملا عثمان بن الحاج عبد الله بن محمد بن جرجيس بن محمود بن عبدو بن جرجيس (الحنفي، 1985).

    امتاز الملا عثمان بذاكرة حادة وبديهة عالية، وقد ساهم في إثراء التراث الموسيقي العراقي ورفع مستوى الإنشاد الديني باستخدام أساليب موسيقية متطورة، مستفيدًا من أساليب الغناء والكلام الشعري والنثري، ومارس تأثيره في الساحة الفنية الوطنية والعربية، حيث تجوّل بين العراق وسوريا ولبنان ومصر وتركيا، متعلماً من أساتذة الموسيقى وشيوخ الطرائق الصوفية (Neubauer, 2003; Shiloah, 1995).

  ساهم الملا عثمان أيضًا في بث الوعي السياسي من خلال أزجاله، وكان له دور في ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني، دون أن تُسجل عليه أية مخالفات قانونية نتيجة نشاطه الفني والوطني.

الخاتمة التحليلية

الإنشاد الديني بين الهوية الروحية والتحول الجمالي

   يتضح أن الإنشاد الديني لم يكن مجرد فن أو أداء صوتي، بل ممارسة إنسانية ضاربة في عمق التجربة الحضارية. في حضارات وادي الرافدين، ارتبط الأداء الصوتي بالطقوس الدينية والاحتفالات، بما يعكس العلاقة بين الصوت والمقدس (Kilmer, 1980; West, 1994).

    مع ظهور الديانات السماوية، تحول الإنشاد إلى أداة تعبير روحي توحيدي، متجلياً في ترتيل القرآن والتمجيد الصوفي والمدائح النبوية، بما يعكس تجربة وجدانية وجمالية غنية (Shiloah, 1995; al-Faruqi, 1985).

   وفي العصر الحديث، أصبح الإنشاد مزيجًا من الطابع الروحي والفني، مع الحفاظ على جوهره التعبدي. يمثل الملا عثمان الموصلي حلقة وصل بين التقليد والحداثة، مؤكدًا أن التوازن بين البعد الروحي والجمالي يظل العامل الأساسي في استمرار قوة هذا الفن ورونقه.

إن مستقبل الإنشاد الديني مرهون بقدرته على صيانة هويته التعبدية مع الانفتاح الواعي على التطور الموسيقي، بحيث يظل التعبير الصوتي جسراً بين الأرض والسماء، بين الإنسان والمطلق.

 المراجع

1.  Kilmer, Anne Draffkorn. (1980). The Hurrian Hymn to Nikkal. American Schools of Oriental Research.

2.  West, M. L. (1994). Ancient Near Eastern Music. Oxford University Press.

3.  Shiloah, Amnon. (1995). Music in the World of Islam. Wayne State University Press.

4.  al-Faruqi, Lois Ibsen. (1985). The Status of Music in Muslim Nations. World of Islam Studies.

5.  الحنفي، جلال. (1985). المغنون البغداديون والمقام العراقي. بغداد: دار الكتاب العراقي.

6.  Neubauer, Eckhard. (2003). Studies on Arabic Music Theory. Beirut: Orient-Institut.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

الإبراهيمية: بين دعوة التعايش ومشروع التطبيع