بين الاسم والوجود: جدلية الدال والمدلول في أفق المعنى

 

بين الاسم والوجود: جدلية الدال والمدلول في أفق المعنى

اللغة والفكر، بين الضرورة الطبيعية والاعتباطية الاصطلاحية

عدنان الطائي

  ليست اللغة مجرد أصوات تتردد في الهواء، ولا مجرد ألفاظ تحفظ في الذاكرة، بل هي شبكة معقدة من العلاقات بين الدال (الصوت أو اللفظ) والمدلول (المعنى أو المفهوم). وتلك العلاقة، التي يسميها علماء اللغة "الدلالة"، تحمل في طياتها جدلية عميقة: هل هي علاقة ضرورية طبيعية، أم علاقة اعتباطية اصطلاحية؟

اللغة بوصفها صدىً للطبيعة

  ناقش أفلاطون في محاورته كراتيلوس طبيعة العلاقة بين الاسم والمسمّى، وطرح فكرة أن بعض الألفاظ تحمل نوعاً من المطابقة الطبيعية للأشياء. فقد بدأ البشر بمحاكاة أصوات الطبيعة: حفيف الأوراق، خرير المياه، زئير الأسد… ومن هنا نشأت البذرة الأولى للغة. وإذا استحضرنا البعد الديني، نجد أن قوله تعالى: «وعلّم آدم الأسماء كلها» يمنح هذه الرؤية بعداً ميتافيزيقياً؛ إذ تبدو الدلالة جاهزة وممنوحة، قائمة على نوع من الضرورة والانسجام بين الاسم والمسمّى. لكن تعدد اللغات واختلاف الأبجديات يدل على أن الضرورة ليست مطلقة، فاللفظ الواحد قد يحمل معاني متعددة، ما يضعف القول بالضرورة المطلقة.

اللغة بوصفها نسقاً اصطلاحياً

    في القرن العشرين، جاء فرديناند دي سوسير ليؤسس لرؤية الاعتباطية الاصطلاحية، أي أن العلاقة بين الدال والمدلول ليست طبيعية مطلقة، بل تقوم على اتفاق اجتماعي داخل نسق لغوي. فكلمة "أخت" على سبيل المثال، لا يشير صوتها (أ، خ، ت) إلى معنى القرابة، بل اتفقنا على هذا المعنى داخل جماعتنا. غير أن هذا الاعتباط ليس فوضى، بل نظام داخلي متماسك. أما إرنست كاسير، فقد رأى أن الإنسان كائن رمزي، وأن اللغة أداة لتشكيل المعنى، لا مجرد انعكاس للواقع المادي. وبالعودة للنص القرآني: «وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه»، يتضح أن اللغة محكومة بسياقها الاجتماعي والثقافي، ما يعزز البعد الاصطلاحي والتحكيمي في نشأتها واستعمالها.

بين الضرورة والاعتباط: رؤية تركيبية

العلاقة بين الدال والمدلول رحلة تطورية:

  • في بداياتها، ارتبطت اللغة بالطبيعة ارتباطاً مباشراً.
  • مع ظهور الفكر، صارت اللغة نسقاً رمزياً قابلاً للتوسع والتجريد.

كلمة "بيت" بدأت للدلالة على مأوى مادي، ثم اتسع معناها ليشمل "البيت الشعري" و"بيت الحكمة". الأمر مشابه للفن التشكيلي، الذي بدأ بمحاكاة الطبيعة ثم تحوّل إلى رمزية وتجريد.

هكذا، تصبح العلاقة بين الدال والمدلول:

  • جزئياً ضرورية في جذورها.
  • اعتباطية اصطلاحية في بنيتها النسقية والاجتماعية.

إنها عملة ذات وجهين، كما أن الإنسان مخيّر ومسيّر في آنٍ واحد، وهو ما تعكسه الرؤية القرآنية والفلسفية معاً.

اللغة والفكر: جدلية الإبداع والتعبير

ينبثق من جدلية الدال والمدلول سؤال آخر: ما طبيعة العلاقة بين اللغة والفكر؟

  • يرى الاتجاه العقلي – كما عند رينيه ديكارت وهنري برغسون – أن الفكر أوسع من اللغة، وأن الألفاظ قد تضيق عن احتواء المعاني: "الألفاظ قبور المعاني".
  • يرى الاتجاه البنيوي واللساني – كما عند سوسير – أن الفكر يتشكل داخل اللغة، فاللغة، والفكر، وجهان لعملة ،واحدة. نفكر داخل الكلمات، ولا خارجها.

الحقيقة العملية تظهر أن ثراء اللغة يوسع قدرة التعبير عن الفكر، وفقرها يحدّ من ذلك. ومع ذلك، يبقى الإنسان بحاجة إلى بدائل للتعبير حين تضيق اللغة: الرسم، المسرح، الموسيقى، الإيماءة… وكلها أدوات لإعطاء الفكر جسداً جديداً.

خاتمة

  جدلية الدال والمدلول ليست مسألة لغوية بحتة، بل مدخل لفهم الإنسان نفسه: كيف يسمّي العالم؟ وكيف يفكر فيه؟ وكيف يمنحه معنى؟ الدلالة إذن ليست ضرورة مطلقة، ولا اعتباطاً خالصاً، بل تفاعل حيّ بين الطبيعة، والمجتمع، والفكر، والرمز. إنها حركة دائمة بين الصوت والمعنى، الاسم والوجود، الإنسان والعالم، لتصبح اللغة أفقاً وجودياً يُشكّل الفكر ويعبر عن المعنى، وتظل وسيلتنا الأكثر قدرة على التواصل والإبداع.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

الإبراهيمية: بين دعوة التعايش ومشروع التطبيع