المسرح الكوميدي الارتجالي بين النشأة والضمور

 

المسرح الكوميدي الارتجالي بين النشأة والضمور

قراءة نقدية حداثوية في تحولات الأداء الشعبي عالميًا وعربيًا

إعداد: عدنان الطائي

ملخص

يتناول هذا البحث نشأة المسرح الكوميدي الارتجالي وتطوره وضموره عبر مسار تاريخي يمتد من التجربة الأوروبية في عصر النهضة إلى التجارب العربية، وصولًا إلى النموذج العراقي في مدينة الزبير. وتعتمد الدراسة مقاربة نقدية حداثوية تستند إلى تحليل العلاقة بين النص والارتجال، وبين السلطة الثقافية والفضاء الشعبي، وتخلص إلى أن ضمور هذا الفن لم يكن نتيجة ضعف فني بقدر ما كان نتاج تحولات اجتماعية ومؤسساتية وإعلامية أعادت تشكيل مفهوم العرض المسرحي ووظيفته.

مقدمة

  لم يكن المسرح الكوميدي الارتجالي مرحلة بدائية في تطور الفن المسرحي، بل شكّل نمطًا ثقافيًا مستقلاً له منطقه الجمالي ووظيفته الاجتماعية. وإذا كان المسرح الأوروبي قد عرف الأشكال الكلاسيكية المكتوبة مبكرًا، فإنه عرف أيضًا أشكالًا شعبية ارتجالية ازدهرت خارج سلطة النص. إن دراسة هذا الفن لا تندرج ضمن التاريخ الفني فحسب، بل تتقاطع مع علم الاجتماع الثقافي ونظرية الأداء؛ إذ يكشف الارتجال عن علاقة مباشرة بين الفنان والجمهور، خارج منظومة الوساطة النصية.

أولاً: الجذور الأوروبية – بين النص والارتجال

    شهدت إيطاليا في عصر النهضة ظهور Commedia dell'arte، وهو شكل مسرحي ارتجالي اعتمد على شخصيات نمطية وأقنعة وأطر قصصية عامة، تاركًا للممثل حرية توليد الحوار وفق مقتضيات اللحظة. كان العرض هنا حدثًا حيًا لا يُعاد بالطريقة ذاتها مرتين.

في المقابل، رسّخ المسرح الكلاسيكي سلطة النص، كما في أعمال William Shakespeare، حيث أصبحت البنية الدرامية المكتوبة مركز الثقل في العمل المسرحي.

أما في القرن العشرين، فقد أعاد Bertolt Brecht الاعتبار لفكرة التفاعل وكسر الإيهام المسرحي، مؤكدًا ضرورة إشراك الجمهور في الوعي النقدي. ومن اللافت أن بعض أشكال المسرح الشعبي كانت تمارس هذا الكسر بصورة فطرية قبل التنظير الأكاديمي له.

ثانيًا: انتقال المسرح إلى العالم العربي

دخل المسرح إلى العالم العربي في منتصف القرن التاسع عشر على يد مارون النقاش، متأثرًا بالمسرح الأوروبي. غير أن التجربة العربية لم تلبث أن أفرزت أشكالًا شعبية خاصة، خصوصًا في مصر مطلع القرن العشرين، حيث ظهرت فرق جوالة اعتمدت الارتجال والكوميديا وسيلة للتواصل مع الجمهور.

تميّزت هذه الفرق بـ:

  • الاعتماد على النكتة والمفارقة.
  • عدم الالتزام بنص مكتوب نهائي.
  • توسيع المشاهد تبعًا لاستجابة الجمهور.

وقد ظل المسرح العربي يعيش ثنائية واضحة بين مسرح نخبوي مؤسسي ومسرح شعبي شفهي.

 ثالثًا: التجربة العراقية – مسرح البر في الزبير

شهد العراق نشاطًا مسرحيًا منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتركّز في بغداد والموصل ثم انتشر في محافظات أخرى. ومن أبرز التجارب الشعبية فرقة مسرح البر التي تأسست في ثلاثينيات القرن العشرين في منطقة السديرة بمدينة الزبير.

اتسمت التجربة بخصائص لافتة:

  • منصة طينية بسيطة في فضاء مفتوح.
  • جمهور يجلس أرضًا في انتظام واحترام.
  • إضاءة بدائية بواسطة (اللوكسات).
  • اعتماد كامل على الارتجال.
  • مصاحبة موسيقية وغنائية.

كان المخرج يطرح فكرة عامة للحكاية ويوزع الأدوار، ويُترك للممثلين هامش واسع لتوليد الحوار. كما كان النزول إلى الجمهور ومخاطبته مباشرة جزءًا من العرض، وهو ما يعكس وعيًا أدائيًا تفاعليًا متقدمًا.

 رابعًا: أسباب الضمور – قراءة تحليلية

يمكن تفسير ضمور المسرح الكوميدي الارتجالي في ستينيات القرن العشرين عبر عوامل عدة:

1.  المؤسساتية الثقافية: انتقال النشاط الفني إلى مؤسسات رسمية خاضعة للرقابة والتوثيق.

2.  صعود الإعلام المرئي: جذب التلفزيون والسينما الجمهور بعيدًا عن الفضاءات المفتوحة.

3.  تحول الذائقة الجمالية: تغليب الاحتراف الأكاديمي والنص المكتوب.

4.  غياب الدعم الثقافي: عدم إدماج المسرح الشعبي في سياسات التنمية الثقافية.

وعليه، فإن الضمور لم يكن موتًا فنيًا، بل نتيجة تحولات بنيوية أعادت ترتيب المجال الثقافي.

خاتمة

إن المسرح الكوميدي الارتجالي يمثل تجربة إنسانية عابرة للثقافات، تتأسس على التفاعل المباشر والحرية التعبيرية والنقد الاجتماعي الساخر. وقد كشفت التجربة العراقية، ولا سيما في الزبير، عن قدرة هذا الفن على الاندماج في النسيج الاجتماعي والتعبير عن هموم الناس بلغة بسيطة ومؤثرة.

وإذا كان هذا الفن قد تراجع في ظل التحولات الحديثة، فإن إعادة قراءته اليوم تمثل ضرورة ثقافية لإعادة الاعتبار للفنون الشعبية بوصفها جزءًا من الذاكرة الجمعية ورافدًا حيًا للحداثة الفنية.

 مراجع مختارة

  • Carlson, Marvin. Theories of the Theatre. Cornell University Press.
  • Esslin, Martin. The Theatre of the Absurd. Vintage Books.
  • Brecht, Bertolt. Brecht on Theatre. Hill and Wang.
  • النقاش، مارون. الأعمال المسرحية الكاملة.
  • دراسات في تاريخ المسرح العربي الحديث.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

الإبراهيمية: بين دعوة التعايش ومشروع التطبيع