عنوان المشهد (اللقطة التي صنعت المصير)

 

 

عنوان المشهد (اللقطة التي صنعت المصير)

يسرّني أن أتقدم إلى مجلتكم الموقرة بنصي الأدبي الموسوم بـ «اللقطة التي صنعت المصير»، وهو عمل سردي قصير يقوم على تقنية السرد المشهدي ذي الحسّ السينمائي، ويعالج لحظة القرار الإنساني بوصفها مفصلاً وجودياً تتقاطع فيه الحرية بالمسؤولية، والعاطفة بالفعل.

وقد حرصت في هذا العمل على توظيف أدوات الحداثة السردية من حيث البناء المشهدي، والتكثيف الزمني، وتعدد الاحتمالات في النهاية، بما ينسجم مع توجهات السرد المعاصر، ويمنح القارئ مساحة تأويلية مفتوحة.

 

 عنوان المشهد (اللقطة التي صنعت المصير)

سرد سينمائي في لحظة قرار وجودي

بقلم: عدنان الطائي

المقدمة

   ينتمي هذا العمل إلى ما يُعرف في النقد الحديث بـ السرد المشهدي ذي الحسّ السينمائي، وهو اتجاه حداثي يستعير تقنيات الصورة المتحركة ليعيد تشكيل بنية القصة القصيرة. فالنص لا يعتمد الراوي المفسِّر، بل يركّز على بناء اللقطة، وتقطيع المشهد، وتكثيف اللحظة الزمنية، بحيث يتحول القارئ من متلقٍ للحكاية إلى مشاهدٍ لها.

يقع النص في تقاطع ثلاث اتجاهات أدبية:

1.  الحداثة السردية: لاعتماده المشهد والتكثيف بدلاً من السرد الخطي التقليدي.

2.  الواقعية الرمزية: حيث يتحول المكان الواقعي (محطة القطار) إلى فضاء دلالي يرمز إلى العبور والتحول والمصير.

3.  النزعة الوجودية العاطفية: إذ يتجاوز الصراع حدود العلاقة الرومانسية ليصبح سؤالاً عن الحرية والاختيار.

وقد اخترتُ لحظة واحدة مكثفة (ساعة المغادرة) لتكون بؤرة الحدث، تتراكم فيها الأزمنة السابقة عبر الاسترجاع، فيتحقق قدر من وحدة الزمان والمكان والموضوع، مع انفتاح دلالي يسمح بتعدد النهايات بوصفه تعبيراً عن نسبية المصير.

 

النص

المشهد الأول

الزمان: شتاء 2003 – السادسة مساءً
المكان: محطة قطار عند أطراف المدينة
الإضاءة: غروب باهت، مصابيح صفراء، مطر خفيف

الأرصفة لامعة كأنها مرآة متشققة.
صفير قطار يتردد في البعيد.

ليلى تقف تحت مظلة حديدية، كتاب قديم بين يديها.
سامر يحمل حقيبة صغيرة، عيناه معلّقتان بخط السكة الممتد في العتمة.

ليلى:
أحقاً لا يوجد مكانٌ لي في قرارك؟

يصمت.
يراقب المطر كأنه ينتظر منه جواباً.

فلاش باك

مكتبة الجامعة.
كتاب يسقط.
أيدٍ تلتقي.

ليلى تبتسم:
بعض الأشياء لا تسقط صدفة.

العودة

مكبر الصوت يعلن المغادرة.

سامر يضع قدمه على الدرجة الأولى من القطار.
يلتفت.

اللحظة تتجمّد.

ومن هنا تتشظّى الاحتمالات:

(أ) النهاية المأساوية

يصعد.
القطار يتحرك.
ليلى تبقى ثابتة.

بعد سنوات، يفتح سامر دفترها القديم.
تسقط دمعة على الكلمات:
"
إن اخترت الرحيل، فليكن قلبك شجاعاً بما يكفي ليعترف أنه خاف."

ظلام.

 

 (ب) النهاية المفتوحة

المطر يشتد.
الرؤية تضطرب.
لا نرى إن كان قد صعد أم عاد.

الصورة تذوب في ضباب المساء.

(ج) نهاية النجاة

يقفز قبل أن يبتعد القطار.
يركض.
يمسك يدها.

سامر:
المستقبل الذي أبحث عنه… يقف أمامي الآن.

ليلى:
البقاء ليس وعداً… البقاء فعل.

القطار يغادر.
ويبقيان تحت المطر، لكن هذه المرة… معاً.

الخاتمة

  يتجلّى هذا العمل بوصفه معالجة سردية للحظة مفصلية تتحول فيها اللقطة إلى قدر. فالإنسان لا يُعرَّف بما يشعر به فحسب، بل بما يختاره حين تضيق اللحظة وتتكثف الاحتمالات. ومن خلال تعدد النهايات، يؤكد النص أن المصير ليس خطاً واحداً، بل شبكة احتمالات تتشكل بوعي الفرد وشجاعته. وهكذا تتحول محطة القطار من مكانٍ عابر إلى مسرحٍ داخلي لاختبار الحرية، ويغدو الحب سؤالاً عن الالتزام لا مجرد انفعال. إن «اللقطة التي صنعت المصير» ليست مشهداً عاطفياً فقط، بل إعلاناً أن القرار مهما بدا عابراً قد يعيد كتابة الحياة بأكملها.

الإطار النظري والتوثيق الأكاديمي

الإطار النظري

يمكن قراءة هذا العمل في ضوء عدد من المفاهيم النقدية الحديثة، أهمها:

.1السرد المشهدي (Scenic Narration): وهو أسلوب يعتمد إظهار الحدث عبر المشهد الحيّ بدلاً من تلخيصه، ويقارب تقنيات الكتابة السينمائية من حيث البناء البصري والتقطيع الزمني.

.2 التبئير (Focalization)يعني وجهة نظر: وفق تنظير جيرار جينيت، فإن زاوية الرؤية تحدد كيفية إدراك الحدث، وهنا يغلب التبئير الخارجي الذي يُظهر الشخصية عبر أفعالها لا عبر تحليل داخلي مباشر.

.3 الحداثة السردية: كما يتضح في تفكيك النهاية الأحادية، واستبدالها بتعدد احتمالي ينسجم مع ما بعد اليقين الكلاسيكي في الأدب.

.4 النزعة الوجودية: إذ يتقاطع النص مع التصور الوجودي الذي يرى أن الإنسان يُعرّف باختياراته، وهي فكرة مركزية في فلسفة جان بول سارتر وألبير كامو.

مراجع نظرية مقترحة

  • Gérard Genette، Narrative Discourse: An Essay in Method، 1972.
  • Jean-Paul Sartre، Existentialism is a Humanism، 1946.
  • Albert Camus، The Myth of Sisyphus، 1942.
  • Roland Barthes، Image–Music–Text، 1977.
  • Mikhail Bakhtin، The Dialogic Imagination، 1975

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

الإبراهيمية: بين دعوة التعايش ومشروع التطبيع