الاحتراق النفسي: عصر الضغوط والتحديات النفسية للمعلم

 

الاحتراق النفسي: عصر الضغوط والتحديات النفسية للمعلم

عدنان الطائي

في عصر تتسارع فيه التكنولوجيا وتتشابك فيه متطلبات الحياة، أصبح الإنسان المعاصر يعيش تحت وطأة ضغوط نفسية متزايدة، قد تؤدي في بعض الأحيان إلى ما يُعرف بـ الاحتراق النفسي (Burnout). هذه الظاهرة لم تعد محصورة بفئة معينة، فهي تصيب كل من يتعامل مع ضغوط العمل المستمرة والمسؤوليات الثقيلة، ولا سيما المعلمين الذين يقفون على خط المواجهة بين الأجيال والمجتمع.

ما هو الاحتراق النفسي؟

الاحتراق النفسي حالة من الاستنزاف الذهني والجسدي والعاطفي نتيجة الجهد المتواصل في العمل، خاصة عند مواجهة أهداف غير واقعية أو مطالب متراكمة دون دعم كافٍ (Freudenberger, 1974). وقد طوّرت الباحثة كريستينا ماسلاش هذا المفهوم لتحديد أبعاده الثلاثة:

1.  الإجهاد الانفعالي: استنزاف الطاقة العاطفية، وفقدان القدرة على العطاء.

2.  تبلد المشاعر تجاه الآخرين: تطوير اتجاهات سلبية أو ساخرة تجاه المستفيدين من الخدمة.

3.  ضعف الإنجاز الشخصي: الشعور بانخفاض الكفاءة والتقييم الذاتي السلبي.

وهذه الأبعاد أصبحت مرجعًا عالميًا لفهم الاحتراق النفسي في جميع المهن، لا سيما التعليمية.

لماذا المعلم أكثر عرضة للاحتراق؟

تشير الدراسات الحديثة إلى أن المعلمين معرضون للضغط النفسي أكثر من غيرهم، بسبب:

  • كثافة التفاعل الإنساني اليومي مع الطلاب.
  • تعدد الأدوار بين التعليم والإدارة والتقييم.
  • ضغوط الأداء والتوقعات المجتمعية.
  • ضعف الدعم المؤسسي أحيانًا، مثل غياب العدالة التنظيمية أو التقدير المهني (Kyriacou, 2001).

عندما يصاب المعلم بالاحتراق، لا ينعكس ذلك على صحته النفسية فقط، بل يمتد أثره إلى جودة التعليم، وإلى تحصيل الطلاب، والمناخ العام للمدرسة.

من الفرد إلى المؤسسة: نظرة حديثة

التفسير الكلاسيكي للاحتراق يرى أنه نتيجة تراكم الإحباطات وعدم إشباع الدوافع النفسية (Freud, 1923). أما الدراسات المعاصرة، فتؤكد أن الاحتراق ليس ضعفًا شخصيًا، بل مشكلة تنظيمية ومجتمعية، تتأثر بثلاثة مستويات:

1.  المستوى الفردي: الطموح المثالي، وسمات الشخصية، والقدرة على إدارة الضغوط.

2.  المستوى التنظيمي: عبء العمل، وضبابية الأدوار، والقيادة الداعمة، وثقافة التقدير المهني.

3.  المستوى المجتمعي: صورة المعلم في المجتمع، والتقدير المعنوي، والتحديات الاقتصادية.

ووفق نموذج متطلبات–موارد العمل (JD-R Model)، كلما زادت متطلبات العمل وقلّت الموارد المتاحة، زاد احتمال الاحتراق (Bakker & Demerouti, 2017).

آثار الاحتراق النفسي

تُظهر الدراسات أن استمرار الضغوط يؤدي إلى:

  • اضطرابات جسدية مثل أمراض القلب والمعدة (McEwen, 1998).
  • اضطرابات نفسية مثل التوتر، القلق، الاكتئاب.
  • انخفاض الأداء والإنتاجية.
  • زيادة الغياب وترك العمل.

وفي سياق المدرسة، فإن المعلم المنهك يصبح أقل قدرة على الإبداع، وأقل تأثيرًا على طلابه، مما يضر بالمجتمع بأكمله.

كيف نحمي المعلم والمجتمع؟

الخبراء يوصون بتدخلات وقائية على مستويات متعددة:

1.  المستوى الفردي: التدريب على المرونة النفسية، والذكاء العاطفي، وإدارة الضغوط، وإيجاد معنى للعمل.

2.  المستوى المؤسسي: تقليل عبء العمل غير الضروري، توفير الدعم الإداري، تعزيز العدالة، تقدير الجهد، وضمان وضوح الأدوار.

3.  المستوى المجتمعي: تعزيز مكانة المعلم، والتقدير العام، وتحسين الاستقرار الاقتصادي.

هذه التدابير لا تحمي المعلم فحسب، بل تضمن استدامة العملية التعليمية وجودتها، وتبني أجيالًا أكثر توازنًا نفسيًا واجتماعيًا.

خلاصة

   الاحتراق النفسي ليس علامة ضعف، بل إنذار مبكر بوجود خلل في التوازن بين الإنسان وبيئته المهنية والاجتماعية. والمعلم المتوازن هو حجر الأساس في بناء مجتمع صحي ومتعلم، وأي إهمال لهذا الجانب يؤدي إلى آثار بعيدة المدى على الطلاب والمدرسة والمجتمع. إن حماية المعلم من الاحتراق النفسي تعني حماية المستقبل بأكمله، فالمدرسة لا تنجح إلا عندما يكون معلمها مستقرًا نفسيًا، قادرًا على الإبداع والعطاء، وموصولًا بأهداف مجتمعه.

المراجع

  • Freudenberger, H. J. (1974). Staff burnout. Journal of Social Issues, 30(1), 159–165.
  • Maslach, C., & Jackson, S. E. (1981). The measurement of experienced burnout. Journal of Occupational Behavior, 2, 99–113.
  • Maslach, C., Schaufeli, W. B., & Leiter, M. P. (2001). Job burnout. Annual Review of Psychology, 52, 397–422.
  • Kyriacou, C. (2001). Teacher stress: Directions for future research. Educational Review, 53(1), 27–35.
  • Bakker, A. B., & Demerouti, E. (2017). Job Demands–Resources theory: Taking stock and looking forward. Journal of Occupational Health Psychology.
  • McEwen, B. S. (1998). Protective and damaging effects of stress mediators. New England Journal of Medicine, 338(3), 171–179.
  • World Health Organization. (2019). International Classification of Diseases 11th Revision (ICD-11).

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

الإبراهيمية: بين دعوة التعايش ومشروع التطبيع