الولاية حين تتحوّل إلى أداة قهر موقف نقدي حاسم من الإسلام السياسي الشيعي في إيران والعراق

 

 

الولاية حين تتحوّل إلى أداة قهر

موقف نقدي حاسم من الإسلام السياسي الشيعي في إيران والعراق

بقلم عدنان الطائي

   لم تعد مسألة الولاية خلافًا فقهيًا أو تباينًا مذهبيًا، بل أصبحت اليوم قضية سياسية أخلاقية تتعلق بطبيعة السلطة وحدودها. فالتحوّل الذي طرأ على مفهوم الولاية في الفكر الشيعي، من إطار ديني روحي إلى نظرية حكم مقدّسة، يُعدّ أحد أخطر التحوّلات التي أنتجها الإسلام السياسي المعاصر.

   في التصوف السُّني، ظلّت الولاية مقامًا أخلاقيًا فرديًا، لا يدّعي العصمة، ولا يطلب الحكم، ولا يمنح صاحبه سلطة على المجتمع. هي تجربة تهذيب للذات، لا مشروع سيطرة. أما في الفكر الشيعي الإمامي، فقد أُعيد تعريف الولاية بوصفها تفويضًا إلهيًا للحكم، يقوم على العصمة والطاعة المطلقة، ثم جرى تطويرها حديثًا في صيغة ولاية الفقيه، حيث انتقلت القداسة من الإمام الغائب إلى المؤسسة الدينية الحاكمة.

    في إيران، تحوّلت ولاية الفقيه إلى نظام سياسي شمولي، يحتكر الحقيقة باسم الدين، ويُجرِّم المعارضة بوصفها خروجًا على الإرادة الإلهية. لم تعد الولاية هناك حماية للأخلاق، بل صارت غطاءً للاستبداد، تُقمع تحت ظله الحريات، ويُختزل الإنسان في واجب الطاعة. أما في العراق، فقد تجلّت الولاية بصورة أكثر خطورة وفوضوية: سلطة دينية غير دستورية، وميليشيات تحكم باسم المقدّس، ودولة منزوعة السيادة. هنا لم تُنتج الولاية نظامًا، بل دمّرت فكرة الدولة نفسها، وشرعنت الفساد والعنف والتبعية الخارجية تحت راية المذهب.

   تُظهر المقارنة الفلسفية مع أرسطو أن الحكم العادل هو حكم القانون لا الأشخاص، وأن الفضيلة لا تمنح حق السيطرة. وتكشف تحليلات حنّة آرندت أن أخطر أشكال الاستبداد هو ذاك الذي يقدّس نفسه باسم الحقيقة المطلقة، حيث يتحوّل العنف إلى واجب أخلاقي. أما تجربة علي شريعتي، فتمثّل مفارقة صارخة: نقدٌ عميق لرجال الدين السلطويين، لكنه نقد لم يفصل بوضوح بين الرمز الديني والسلطة السياسية، فمهّد – من حيث لا يقصد – لتديين الحكم.

الموقف النهائي

   استنادًا إلى هذه المعطيات، فإن هذا المقال يتبنّى موقفًا رافضًا بشكل قاطع لتحويل الولاية إلى سلطة سياسية، ويعتبر الإسلام السياسي الشيعي في إيران والعراق شكلًا من أشكال الاستبداد الديني، لا مشروعًا أخلاقيًا ولا دولة عادلة. الولاية التي تُهذّب الإنسان جديرة بالاحترام، أما الولاية التي تحكم باسمه الإلهي فهي نقيض الأخلاق والحرية. إن الخلاص لا يكمن في إصلاح الولاية، بل في نزع قداسة السلطة، وفصل الدين عن الحكم، وإعادة السياسة إلى الإنسان، لا إلى الغيب.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

عواطف مكبوتة قصة قصيرة.. رحلةٍ رمزيةٍ داخل متاهة الذات