حين يتوضّأ الوجود.. قصيدة صوفية

 

حين يتوضّأ الوجود.. قصيدة صوفية

بقلم عدنان الطائي

المقدمة

هذا النص لا يقول المطر، بل يتلاشى فيه الوجود.
فيه يصبح النزول صعودًا، والصوت صمتًا، والمعنى ذكرًا لا يُنطق. ليست اللغة هنا أداة تعبير، بل مقام حضور، حيث يتطهّر الوجود من وهم الامتلاك، ويعود القلب إلى أمانته الأولى. كل قطرة إشارة، وكل صمت صلاة، وفيما بين الإنسان والمطر ينكشف الحجاب لحظةً، فيتذكّر الوجود نفسه… بلا صوت.

النص

حين يتوضّأ الوجود، لا يكون المطر ماءً،
بل كشفًا يتطهّر فيه الكلّ
من وَهْمِ الكثرة.

لم تكنِ السماءُ تبكي،
كانت تُشير،
وما الإشارةُ
إلا لغةُ الغيبِ
حين يعجزُ الصوت.

قالوا: دموعٌ،
وقلتُ:
هو الذِّكر
إذا سالَ
من فمِ الأزلِ
قطرةً
قطرة.

المطرُ
نَفَسُ البداية،
حين يمرُّ
على جسدِ التراب
فيقومُ
كما تقومُ المعاني
من النداء.

كلُّ قطرةٍ
آيةٌ بلا حروف،
وكلُّ ارتطامٍ
سجدةٌ
لا يراها
إلا من
اتّسع لهُ
المحراب.

الأرضُ
ليست أرضًا،
هي قلبٌ
تُعلّمَ الخشوعَ
حين قيل له:
كُنْ،
فكانَ
عطِشًا.

والمطرُ
ليس نافعًا
لأنه يسقي الزرعَ،
بل لأنه
يغسلُ القلوبَ
من وَهْمِ الامتلاك،
ويعيدها
إلى معنى
الأمانة.

في زمنٍ
انزاحت فيه الكواكب
عن أسمائها،
كان المطرُ
هدايةً صامتة،
يدًا خفيّة
تُمسكُ الساقطين
كي لا يتيهوا
في التيه.

أنا لا أراهُ
هابطًا من علوّ،
بل صاعدًا
من فقرِنا
إليه.

فإذا فُنينا
في نحيبه،
بقينا،
وإذا بقينا
بغيره
تبدّدنا.

ذلك المطر
ليس هو،
ولا نحن،
بل ما بيننا
حين سقط الحجاب،
وبقي الوجود
يذكرُ نفسه
بلا صوت.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

عواطف مكبوتة قصة قصيرة.. رحلةٍ رمزيةٍ داخل متاهة الذات