(مش مشكله له وشّين… المشكلة إن الوشّين أوسخ من بعض)

 

(مش مشكله له وشّين… المشكلة إن الوشّين أوسخ من بعض)

قراءة بلاغية وأدبية في حكمة شعبية مصرية ذات أفق سياسي فلسفي

 بقلم عدنان مهدي الطائي

المقدمة

المقولة المصرية المتداولة بصيغتها العامية كما نشرتها الصحفية المصرية دعاء محمود: (مش مشكلة له وشّين، المشكلة إن الوشّين أوسخ من بعض) هي حِكمة شعبية دارجة وليست قولًا منسوبًا إلى كاتب أو مفكر بعينه. من قائلها؟ لا قائل محدد لها؛ بل هي من الأمثال والحِكم الشعبية المصرية التي نشأت شفهيًا داخل الثقافة العامة، وانتقلت بين الناس للتعبير عن مواقف حياتية متكررة. معناها ودلالتها.. المقولة تقوم على مفارقة ساخرة:

  • ليس الإشكال في أن يكون للموضوع وجهان وهذا طبيعي في الحياة.
  • بل الكارثة أن يكون الوجهان سيّئين أخلاقيًا أو فاسدين، أي أن الاختيار بينهما لا يقدّم حلًا حقيقيًا.

تُستخدم عادةً لوصف:

  • صراع بين طرفين كلاهما فاسد أو سيّئ.
  • خيارات سياسية أو اجتماعية أو شخصية لا تحمل أي بديل أخلاقي أو نزيه.
  • حالة الاختيار بين السيّئ والأسوأ.

رأيي الشخصي

هي مقولة ذكية وبسيطة لكنها عميقة النقد، تعبّر عن وعي شعبي حادّ:

  • تكشف زيف فكرة “التوازن” حين يكون الطرفان فاسدين.
  • تفضح المنطق الذي يطلب من الناس الاصطفاف القسري بين بدائل رديئة.
  • وهي قريبة جدًا من الواقع السياسي والاجتماعي في كثير من المجتمعات العربية، ومنها مصر والعراق، حيث يُعاد إنتاج الرداءة بوجهين مختلفين.

ولو أردنا صياغتها بلغة فصحى مكثفة، يمكن أن نقول: ليست المعضلة في تعدد الوجوه، بل في تساويها في القبح.

تحليلها بلاغيًا وأدبيًا مع ربطها سياسيا

أولًا: البنية البلاغية

تقوم المقولة على مفارقة بلاغية مزدوجة:

1.  نفي المتوقع: يبدأ القول بنفي ما يُظَنّ عادةً أنه المشكلة: )مش مشكلة له وشّين) وهنا يتم تفكيك الفكرة الشائعة بأن تعدد الوجوه أو الآراء هو جوهر الأزمة.

2.  إثبات الصادم: ينتقل الخطاب فجأة إلى المفارقة: )المشكلة إن الوشّين أوسخ من بعض) أي أن الإشكال ليس في التعدد، بل في تساوي البدائل في الانحطاط.

بلاغيًا، نحن أمام:

  • مقابلة بين «له وشّين» و«الوشّين»
  • تدرّج دلالي صادم من الحياد إلى الإدانة
  • لغة حسّية فظة («أوسخ») تُقصد لذاتها لإلغاء أي تزييف أخلاقي

اللفظ هنا غير مهذّب لغويًا، لكنه مهذّب دلاليًا؛ لأنه يرفض التجميل الكاذب للواقع.

ثانيًا: البعد الأدبي

أدبيًا، تنتمي المقولة إلى ما يمكن تسميته: الأدب الشفهي النقدي وهو أدب: لا يكتب للنخبة ولا يزخرف اللغة، بل يصيب الفكرة مباشرة في مقتل.. اشبه في روحها السخرية السوداءوالحكمة الشعبية اللاذعة.. ما يُعرف في النقد الحديث بـ تفكيك الخطاب السائد.. وهي بذلك أقرب إلى الأدب الواقعي الفجّ الذي يرفض التواطؤ مع اللغة المنمّقة حين تكون الحقيقة قبيحة.

ثالثًا: القراءة السياسية

سياسيًا، تختصر المقولة مأزقًا مركزيًا في أنظمة كثيرة:

  • تعددية شكلية بلا بدائل حقيقية
  • صراع بين أطراف متنافسة ظاهريًا، متشابهة جوهريًا
  • انتخابات أو اصطفافات تُقدَّم بوصفها خيارًا، بينما هي تدوير للفساد كما يحصل في العراق

المقولة هنا لا تنتقد «الوجوه»، بل منظومة إنتاج الوجوه. إنها تقول بوضوح: حين تتساوى الخيارات في الفساد، يصبح الاختيار نفسه خدعة. وهذا ينسجم مع مفهوم الديمقراطية المفرغة من مضمونها، حيث: الشكل موجود، لكن القيمة غائبة والنتيجة واحدة مهما تغيّر الوجه

رابعًا: البعد الفلسفي

فلسفيًا، تلتقي المقولة مع أفكار عميقة، منها: نقد نيتشه للأخلاق الزائفة ومفهوم «الاختيار القسري» عند فلاسفة السياسة وفكرة أن الشر لا يُبرَّر بتعدده.. حقا هي تفكك منطق: (اختر الأقل سوءًا) ويمكن الرد عليه ضمنيا: ماذا لو كان السوء هو القاعدة، لا الاستثناء؟ هنا يتحول السؤال من: (من نختار؟) إلى: (لماذا لا نملك خيارًا نزيهًا أصلًا؟).. وهذا هو جوهر النقد الفلسفي الحقيقي للسلطة.

خامسًا: الخلاصة

هذه المقولة الشعبية، على بساطتها، تحمل:

  • وعيًا سياسيًا غير مُؤدلج
  • حسًا فلسفيًا فطريًا
  • وبلاغة صادمة لا تحتاج إلى زخرف

ويمكن صياغة خلاصتها فصيحًا على النحو الآتي:

ليست الكارثة في تعدد الوجوه، بل في تساويها في القبح الأخلاقي. إنها حكمة تقول ما تعجز عنه الخطب الطويلة: حين يكون البديل نسخةً من الأصل، فالمشكلة ليست في الوجه… بل في النظام الذي يصنع الوجوه.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

الإبراهيمية: بين دعوة التعايش ومشروع التطبيع