مناجاة العابرين إلى السكينة

 

مناجاة العابرين إلى السكينة

يا الله،
نحن لسنا من أهل الضجيج،
ولا من طلاب المعجزات.
نحن من الذين تعبوا من السؤال
حتى صار الجواب صمتًا،
ومن الذين ساروا طويلًا
حتى صار الطريق هو المعنى.

علّمتنا الأيام
أن الحياة ليست مقامًا،
بل مرورًا بين حالين،
وأن القلب إذا صفا
لم يعد يخاصم القدر،
بل يجلس في حضرته
جلسة العارف لا المحتج.

يا الله،
نحن نؤمن بك
كما يؤمن الظمآن بالماء
قبل أن يراه،
وكما يؤمن المسافر
أن خلف هذا التعب
وطنًا لا يُوجِع.

نؤمن أن ما جرى
كان بإذنك،
وأن ما انكسر
انكسر ليُعاد جمعه
في صورة أصفى.
نؤمن أن القضاء
ليس سوطًا،
بل يدًا خفيّة
تسوق الروح
إلى موضعها الصحيح.

أنا ورفيقة دربي
لم نعد نطلب من الدنيا
غير الستر،
ولا من العمر
غير اللين.
وقفنا معًا
على عتبة الانتظار،
لا تفصل بيننا خوف
ولا يعجّلنا شوق،
ننظر إلى النهاية
كما ينظر العارف
إلى الوصال.

يا الله،
إن جاء الرحيل
فاجعله ذكرًا بلا ألم،
ونومًا بلا فزع،
وانتقالًا
لا تشهده الصرخة
ولا يفضحه الوجع.

اجعل النهاية
كالبلسم
حين يلامس الجرح
دون أن يسأله
كيف تألم.

إن أبقيتَنا
فأبقِنا في لطفك،
وإن دعوتَنا
فخذنا إليك
كما تأخذ الأم طفلها
وقد اكتفى من البكاء.

يا الله،
لسنا زاهدين بك
ولا متعبين منك،
نحن متعبون إليك،
فارغون إلا من الرجاء،
مسلِّمون أرواحنا
لعدلٍ نثق به
ورحمةٍ لا تخذل.

فكن لنا في الختام
كما كنت في الطريق:
لطيفًا إذا ضاق النفس،
رحيمًا إذا ضعف الجسد،
وحاضرًا
حين يغيب كل شيء.

عدنان مهدي الطائي

 

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

الإبراهيمية: بين دعوة التعايش ومشروع التطبيع