(أحفادهم) بين هاجس الهوية وضرورة الوعي الإنساني بيان ثقافي توعوي موجّه إلى القارئ العربي
(أحفادهم) بين هاجس الهوية وضرورة الوعي الإنساني
بيان ثقافي توعوي موجّه إلى القارئ العربي
بقلم: عدنان مهدي الطائي
مقدمة
في مجتمعاتٍ أرهقتها الصراعات والهويات المتنازعة، تصبح الكلمة سلاحًا ذا حدّين: إمّا أن تُعمّق الشقاق، أو أن تفتح أفق الفهم. وبين الخوف المشروع على القيم، والانزلاق غير المقصود نحو الإقصاء، تبرز الحاجة إلى قراءة نقدية واعية للنصوص الصادمة، لا لتكميمها ولا لتقديسها، بل لتحويلها إلى فرصةٍ للتفكير المشترك. من هذا المنطلق، تأتي هذه القراءة لنص «أحفادهم» بوصفها محاولة لرفع منسوب الوعي، وتفكيك الطائفية والعنصرية، والانتصار للإنسان بوصفه قيمةً قبل أيّ هوية.
في زمنٍ عربيٍّ مثقلٍ بالانقسامات، تأتي بعض النصوص الأدبية والفكرية بوصفها مرآةً للقلق الجمعي، لا بوصفها أحكامًا نهائية. ومن بين هذه النصوص، يبرز نص(أحفادهم) للكاتبة الصحفية دعاء محمود كنصٍّ صادم، يوقظ أسئلة حسّاسة حول الهوية، الاندماج، والخوف من الذوبان القيمي داخل مجتمعات أنهكتها الصراعات الطويلة. غير أنّ النصوص القوية، حين تُقرأ خارج سياق الوعي النقدي، قد تتحوّل من أداة تنبيه إلى مصدر التباس. ومن هنا تأتي ضرورة هذه القراءة التوعوية، لا دفاعًا أعمى ولا إدانة متسرّعة، بل تحويلًا للصدمة إلى وعي.
(أحفادهم) كنصّ تحذيري لا كخطاب إقصائي
في عمق السرد، لا يتحدّث النص عن جماعة محدّدة بقدر ما يعبّر عن خوفٍ من: انهيار المعايير الأخلاقية- سيادة المصلحة على القيم - تلوّن الخطاب الديني والاجتماعي وفق الحاجة.. بهذا المعنى، يمكن قراءة «أحفادهم» بوصفهم أحفاد أفكار لا أحفاد دماء، أبناء أنماط تفكير تتكاثر حين تغيب العدالة، لا حين يختلط البشر بين قراءتين: الخوف والوعي
القارئ العربي اليوم أمام خيارين في تلقّي هذا النوع من النصوص:
قراءة انفعالية: قد ترى في النص إدانة للآخر، وتفتح باب الشكّ العام، وتعيد إنتاج الطائفية والعنصرية بصيغة جديدة.
وقراءة توعوية نقدية: ترى أن المشكلة ليست في التنوّع، بل في فشل إدارة التنوّع،
وليست في الاختلاط البشري، بل في الخلط بين الثقافة والعرق.والفرق بين القراءتين هو الفرق بين مجتمع يُدار بالخوف، ومجتمع يُبنى على الوعي.
الثقافة لا تسكن الجينات
من أخطر الأخطاء الفكرية التي وقع فيها تاريخ البشر، الاعتقاد بأن: الثقافة تُورّث بيولوجيًا أو أن السلوك الأخلاقي حتميّ بالدم.. انما الحقيقة أن: الثقافة تُنقل اجتماعيًا،
وتُعاد إنتاجها بالخطاب، ويمكن تفكيكها بالنقد والتعليم والعدالة. أما الإنسان، فلا يُحاسَب على أصله، بل على فعله، ولا على اسمه، بل على موقعه من القيم الإنسانية العامة.مقاربة فلسفية: حين يحذّرنا الفكر
هذا الفهم ليس جديدًا على تراثنا ولا على الفلسفة الحديثة.
- ابن خلدون نبّه مبكرًا إلى أن العصبية لا تقوم على الدم وحده، بل على المصالح والولاءات الرمزية، وحين تتحوّل إلى أداة هيمنة، تُفسد العمران وتُعجّل بسقوط الدول.
- ميشيل فوكو كشف أن السلطة الأخطر ليست تلك التي تقمع بالسلاح، بل التي تُنتج خطابًا يجعل الناس أسرى تعريفات لم يختاروها، ومنها خطاب الهوية المغلقة.
- أنطونيو غرامشي حذّر من الهيمنة الثقافية، حين يتبنّى المجتمع أفكار الاستبداد بوصفها “طبيعية” و”بديهية”، دون أن يشعر.
ومن هنا، فإن مواجهة ما يخشاه نص «أحفادهم» لا تكون بالإقصاء، بل بتفكيك البنية الفكرية التي تُنتج هذا الخوف.
رسالة إلى القارئ العربي
لسنا بحاجة إلى البحث عن “أنقياء” و”مزيّفين”، بل إلى بناء:
- دولة قانون
- تعليم نقدي
- خطاب ديني عقلاني
- وانفتاح ثقافي وفلسفي شجاع
فالطائفية والعنصرية ليستا قدرًا، بل نتيجة وعيٍ مأزوم، وكل وعي قابل للمراجعة.
خاتمة
إنّ نص «أحفادهم» يمكن أن يكون: وقود فتنة أو جرس إنذار والفارق بين الاثنين هو القارئ الواعي. فلنختر أن نكون قرّاء وفاعلين في بناء مجتمع يُحاسِب الأفكار، لا يُدان فيه الإنسان بسبب أصله، ويُصان فيه الاختلاف بوصفه مصدر غنى، لا سبب خوف.
تعليقات
إرسال تعليق