المشاركات

عرض المشاركات من سبتمبر, 2025

الحرية بين السياسة والخلاص الروحي

صورة
  الحرية بين السياسة والخلاص الروحي عدنان الطائي من لا يملك حريته لا يملك قراره.. تحرَّرْ في داخلك، تكن حرًّا في عالمك .   كثيرًا ما نظن أن الحرية ثمرة السياسة، تُمنح بمرسوم أو تُصاغ في دساتير وقوانين. غير أن هذه الحرية، مهما اتسعت، تبقى مرتبطة بسلطة قد تقيّدها أو تلغيها في لحظة، لأنها حرية مشروطة بإرادة الآخرين .    أما الحرية الحقيقية، فهي تلك التي تولد من عمق الروح، من لحظة يقظة يكتشف فيها الإنسان أنه ليس عبدًا للخوف ولا أسيرًا للشهوة ولا تابعًا لأهواء الجماعة. الحرية هنا ليست امتيازًا يُعطى، بل خلاصًا يتحقق؛ هي انتصار على القيود الداخلية التي تشدّ الإنسان إلى الأرض .     السياسة قد تفتح الأبواب، لكنها لا تحرر القلب. قد تمنح حرية التعبير، لكنّها لا تعلّم الإنسان كيف يتكلم بصدق مع ذاته. قد تُقرّ حقوقًا جماعية، لكنها لا تضمن صفاء الضمير ولا طمأنينة الوجدان .     اما الخلاص الروحي هو الشرارة الأولى للحرية: أن يعرف الإنسان معنى السلام مع نفسه، أن يتصالح مع ضعفه، وأن يرى في الموت عبورًا لا نهاية. عندها فقط يصبح حرًّا، حتى وإن...

مناجاة (ظلّ الأثر)

صورة
  مناجاة (ظلّ الأثر) يا نفسُ حسبُكِ أنْ يزولَ بقاءُنا *** فالموتُ حقٌّ ما يغيِّرهُ الرجاءُ كلُّ الملوكِ وكلُّ ذي سلطانِها *** يفنى وتبقى بعدَهم تلكَ الفناءُ نمضي وتبقى للقلوبِ بصائرٌ *** ما عاشَ في روحِ المحبّةِ ضيـاءُ لا المالُ يبقى لا الجـمالُ ولا العُلا *** إنما الذي يُبقيهِ للخلدِ العطاءُ إنْ كانَ ذكرُ الناسِ يمحوهُ الدجى *** فاللهُ يرفعُ من لهُ عملٌ سواءُ فاصدحْ بذكرِ اللهِ في كلِّ الدُّجى *** فالذكرُ نورٌ في الدجى وبهِ البقاءُ إنَّ الزمانَ يطوي الوجوهَ جميعَها *** لكنَّهُ لا يمسحُ الأثرَ السَّواءُ فازرعْ لنفسكَ في القلوبِ محبَّةً *** فالمُحسنونَ حياتُهم أبداً ضياءُ وإذا دُعيتَ إلى الرحيلِ فلا أسى *** ما دامَ فيكَ إلى المعادِ لهُ ولاءُ إنَّ الفناءَ طريقُ كلِّ مسافرٍ *** واللهُ باقٍ، وجهُهُ هوَ الكبرياءُ *************************************** فإليكَ يا ربَّي اختمُ تضرُّعي *** أنتَ المعينُ إذا ضاقتْ بي السُّبُلُ أنقذْ نفسي من هَمِّ الدُّنيا وزيفها *** واهدِني في حياتي إلى سبيلِ الجُملُ أنتَ الباقي حين يفنى كلُّ مخلوقٍ *** وأنتَ الملاذُ حين يضيعُ من يكلُّ ...

التناص ما بين إيجابياته وسلبياته

صورة
  التناص ما بين إيجابياته وسلبياته عدنان الطائي التناص: نص يولد من رحم نصوص أخرى    الأدب ليس كيانًا مغلقًا، بل هو نهر متجدد تصب فيه روافد النصوص السابقة، فيغتني من ماضيه ويُعيد تشكيله بروح الحاضر. من هنا جاء مفهوم التناص الذي شكّل علامة فارقة في النقد الأدبي الحديث، إذ يكشف عن العلاقات الخفية والظاهرة بين النصوص، ويؤكد أن لا نص يولد من فراغ، بل كل كتابة هي حوار مع كتابة أخرى. غير أن هذا الحوار، وإن بدا مثريًا، لا يخلو من إشكالات تحتاج إلى قراءة متأنية . فالتناص ليس مجرّد مصطلح نقدي، بل فضاء واسع تتقاطع فيه النصوص، وتتحاور الأصوات، ويتجدّد المعنى. إنّه حالة من الأخذ والعطاء بين الكاتب وموروثه الثقافي، بين ما يُقرأ وما يُكتب، بين الذات الفردية وذاكرة الجماعة . من عنترة إلى أبي هلال العسكري: جدل السرقات والتجديد     لم يكن التناص غريبًا عن الشعر العربي القديم؛ فقد عبّر عنه الشعراء بأساليبهم، كما نرى عند عنترة بن شداد في مطلع معلقته حين أقرّ بأن الشعراء الذين سبقوه قد طرقوا معظم الأبواب، لكنه سيعيد القول بطريقته الخاصة. وقد احتدم الجدل قديمًا حول ال...

الحداثة الشرقية: النهر الأول للحضارة

صورة
  الحداثة الشرقية: النهر الأول للحضارة بقلم عدنان الطائي     كثيرًا ما يربط الناس كلمة "الحداثة" بعصر النهضة الأوروبية، وكأنها وليدة القرن الخامس عشر وحده. لكن استقراء التاريخ يكشف لنا أن الحداثة ليست لحظة غربية عابرة، بل هي روح إنسانية قديمة تجددت منذ فجر الحضارات. فمن الشرق انطلقت الشرارة الأولى، قبل أن تسير غربًا كما أشار هيغل في مقولته الشهيرة . .1 الصين: حداثة الإدارة والفلسفة     في الصين، وُلدت الكتابة والبيروقراطية المبكرة، حيث اعتمدت الدولة على امتحانات الكفاءة بدل الوراثة، وهو مبدأ إصلاحي سبق أوروبا بقرون. هنا أرسى كونفوشيوس أساس الأخلاق في الحكم، بينما دعا لاو تسي إلى الانسجام مع الطبيعة. ومن الصين جاءت اختراعات كبرى: الورق، البوصلة، الطباعة، البارود، التي غيّرت مسار العالم لاحقًا . .2 الهند: حداثة الفكر الروحي والعلمي    الهند لم تبحث عن التغيير في الأشياء فقط، بل في جوهر الوجود . ففي نصوص الفيدا والأوبانيشاد، طرحت أسئلة عن النفس والعدم والخلود، وأسست مبكرًا لفلسفة وجودية عميقة. ومن الهند جاء الرقم صفر الذي غيّر وجه ال...