آدم... أم أوادم؟

 

آدم... أم أوادم؟

بقلم: الباحث عدنان مهدي الطائي

  لعل اسم آدم مشتق من الأديم، وهو تراب الأرض أو ظاهرها، وقيل باطنها، كما ذهب بعض الباحثين إلى احتمال وجود صلة بينه وبين ألفاظ وردت في الحضارات السومرية، مثل «أوابا» التي ارتبطت في بعض الأساطير ببداية الجنس البشري، أو «أدمو» التي استعملت للدلالة على الروح أو الكائن الأول. ولا يُراد من هذا الربط إثبات حقيقة تاريخية، بقدر ما هو محاولة لتتبع الجذور اللغوية والثقافية لفكرة الإنسان الأول في حضارات الشرق القديم. وتكاد تتفق الأساطير القديمة مع الأديان السماوية على أن الإنسان خُلق من تراب الأرض، ثم مُنح سر الحياة بإرادة الخالق، وإن اختلفت في تفاصيل الرواية. فالإنسان في التصور القرآني يبدأ من مادة أرضية، ثم يرتقي بنفخة الله إلى مرتبة العقل والإرادة والوعي. قال تعالى: ﴿لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾، ثم انتقل الخلق بعد اكتمال هذا التكوين إلى سنة التناسل بالنطفة، لتستمر الحياة وفق قانون إلهي ثابت. ولعل في ذلك إشارة إلى أن العناصر التي يتكون منها جسد الإنسان هي ذاتها عناصر الأرض، غير أن الله منحها من قدرته ما جعلها تتحول من مادة جامدة إلى كائن حي يمتلك العقل والإرادة والحركة. ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون﴾؛ فالخطاب هنا موجه إلى الإنسان بوصفه نوعًا، يبين أن الأصل ترابي، وأن الحياة والحركة والانتشار إنما هي هبة إلهية. ومن هنا يبرز سؤال مشروع: هل كان آدم أول إنسان في الكون كله، أم أول إنسان مكلَّف في هذه الأرض؟

    إن القرآن الكريم لم ينص نصًا قطعيًا على أن الخلق الإنساني اقتصر على آدم واحد في الكون بأسره، كما أنه لم ينف وجود عوالم أخرى أو مخلوقات عاقلة خلقها الله سبحانه. بل إن اتساع الكون، الذي كشف عنه العلم الحديث، يجعل هذا التساؤل مفتوحًا أمام البحث دون أن يملك العلم حتى اليوم جوابًا حاسمًا. ومن هنا اوضح العلامة الشيخ محمد عبده في تفسيره اجتهادا: أن القرآن لم يرد فيه نص قطعي يمنع احتمال وجود آباء آخرين لأجناس بشرية أخرى، وقد يعني النص القرآني من ان الله قد اختار هذا الادم من بين تلك الاوادم ان يكون نبيا.

   كما روي عن الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام) عن (كتاب التوحيد) للشيخ الصدوق وهو محمد بن علي بن بابويه القمي رواية جاءت فيها بالقول (بلى والله لقد خلق الله الف الف عالم والف الف ادم وانت في اخر تلك العوالم وأولئك الادميين) وهذا يعني ان عالمنا الحالي واحد من تلك العوالم. وسواء ثبتت الرواية من جهة السند أم كانت محل نقاش، فإنها تفتح أفقًا للتأمل في سعة الخلق الإلهي، ولا تتعارض مع قوله تعالى: ﴿ويخلق ما لا تعلمون﴾. وقد اوضحته الآية بقوله تعالى: ﴿وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين﴾. فالآية تؤكد أن الاستخلاف سنة إلهية مستمرة، وأن الله قادر على أن يذهب بقوم ويأتي بآخرين، كما أنشأ الحاضرين من ذرية قوم سبقوهم. ومن هذا يفهم أن الإنسانية الحالية قد تكون امتدادًا لسلالات أو أقوام أسبق منها، او أن المراد هو تعاقب الأمم البشرية المعروفة. والراجح عندي أن الآية تبقي تحت باب الاجتهاد المفتوح الذي يعني: تلين النص ومده في المرتقى الحضاري شريطة عدم الخروج عن النص او تأويله او الغائه، لأنها لم تحدد هوية أولئك القوم تحديدًا قاطعًا، وإنما أشارت إلى سنة التعاقب والاستخلاف.

  أما قوله تعالى: ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي﴾، فليس من الضروري حمل لفظ (نفخت) على معناه الحسي، بل يمكن فهمه - في إطار اللغة القرآنية - بمعنى منح وأفاض وعطاء ، أي إذا أكملت بناء الإنسان الجسدي والعقلي والروحي، ومنحته من فيض قدرتي ما أهّله لحمل الأمانة والاستخلاف، عندئذ استحق التكريم الإلهي بقوله تعالى: ﴿فقعوا له ساجدين﴾. كما أن قوله تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ يثير تساؤلًا آخر، وهو: لماذا قالت الملائكة: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾؟ وقد ذهب عدد من المفسرين إلى أن هذا السؤال قد يدل على وجود مخلوقات أو أمم سبقت الإنسان المكلَّف في الأرض، عرفت الفساد وسفك الدماء، دون الجزم بطبيعتها أو حقيقتها.

     وهنا يبرز مبدأ أراه منسجمًا مع روح القرآن، وهو أن النص الإلهي ثابت، أما فهم الإنسان للنص فإنه يتجدد كلما اتسعت معارفه وتطورت الحضارات. ولذلك فإن الاجتهاد لا يعني إلغاء النص أو تأويله بما يخالف ظاهره، وإنما يعني مدَّ دلالاته في حدود اللغة والقرائن وسنن الله في الكون، بما ينسجم مع ارتقاء المعرفة الإنسانية. ولعل هذا المعنى يتعزز بقوله تعالى: ﴿ولقد خلقناكم أطوارًا﴾، فالخلق يمر بمراحل وأطوار متعاقبة، كما أن سنن الله لا تتبدل، قال تعالى: ﴿فلن تجد لسنة الله تبديلًا ولن تجد لسنة الله تحويلًا﴾.

    ومن هنا لا أرى تعارضًا بين الإيمان بوحدة الأصل الإنساني، وبين الاعتراف بأن السنن الإلهية قد أوجدت عبر الزمن تنوعًا واختلافًا في الصفات والألوان واللغات، كما يؤكده قوله  تعالى: ﴿ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم﴾، وقال أيضًا: ﴿ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكن ليبلوكم فيما آتاكم﴾.

     أما علم الفلك الحديث، فقد أثبت أن الكون يضم مليارات المجرات وتريليونات الكواكب، واكتشف عددًا كبيرًا من الكواكب التي قد تتوافر فيها ظروف مناسبة للحياة. كما يواصل العلماء البحث عن أي إشارات قد تدل على وجود حياة عاقلة خارج الأرض، دون أن يثبت ذلك حتى الآن بصورة علمية قاطعة. ومن ثم يبقى احتمال وجود عوالم أخرى عامرة بالحياة احتمالًا علميًا مشروعًا، كما يبقى الإيمان بسعة خلق الله حقيقة قرآنية لا يحدها عالمنا الأرضي.

   وعليه، فإن السؤال: آدم... أم أوادم؟ ليس محاولة لمعارضة النصوص، بل دعوة إلى إعادة قراءتها في ضوء السنن الإلهية، وإلى إبقاء باب الاجتهاد مفتوحًا، لأن النص الإلهي أوسع من أن يُحبس في حدود فهمٍ واحد، ولأن القرآن كتاب هداية يخاطب الإنسان في كل عصر، ويمنحه من المرونة ما يجعله قادرًا على مواكبة ارتقاء المعرفة الإنسانية دون أن يفقد ثوابته.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

رحلة فكرية في دهاليز العبث والوجود (المسرحيات السبعة)

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله