قصة قصيرة (امرأة لا يليق بها الانكسار… لكنها تنكسر)
قصة قصيرة (امرأة لا يليق بها الانكسار… لكنها تنكسر)
في بلادٍ لا تُشبهها، كانت “امل” تمشي كأنها ضيفةٌ ثقيلة على الحياة. اللغة ليست لغتها، الوجوه ليست وجوهها، حتى السماء… بدت لها باردة، لا تحفظ دعاءها. كانت تقول في سرّها: "الغربة ليست مكانًا… بل شعور بأنكِ زائدة عن الحاجة." لم تكن تخاف المرض بقدر ما تخاف أن تمرض هنا. في مكانٍ لا أحد يعرف اسمها الحقيقي، ولا أحد سيقول لأطفالها: "كانت أمكم… كل شيء." زوجها؟ اختفى كما تختفي الأجوبة حين نحتاجها. تركها في بلدٍ لا يرحم، مع طفلين… وخوفٍ لا ينام. في البداية، قاومت. عملت في كل شيء: تنظيف، رعاية، مطبخ كانت تبتلع الإهانة مع كل راتب، وتقول: "هذا ثمن البقاء." لكن الجسد… لا يوقّع عقود الصبر. بدأ الألم. خفيفًا… ثم واضحًا… ثم مخيفًا. في المستشفى، جلست وحدها. لا مترجم، لا صديق، لا كتف تبكي عليه. الطبيب يتحدث بسرعة، وهي تهز رأسها… كما لو أنها تفهم. لكنها لم تكن تفهم شيئًا… إلا كلمة واحدة تكررت: "خطر" خرجت من هناك وهي تحمل ورقة، تشبه حكمًا مؤجل التنفيذ. في البيت، أطفالها يضحكون. توقفت عند الباب… لم تدخل فورًا. كانت تحتاج دقيقة… لتخلع وجه الحقيقة، وترتدي وجه الأم. دخلت، ابتسمت، احتضنتهم بشدة… أكثر من اللازم. قالت في سرّها: "سامحوني… لأنني قد لا أبقى."في تلك الليلة، لم تفكر بالموت. فكرت بشيءٍ أكثر قسوة: "من سيحبهم… كما أحبهم أنا؟" مرت الأيام… العمل انتهى. المال بدأ ينفد. المرض يتقدّم بصمت. كل حبكة كانت تقترب من ذروتها… في نفس الوقت. كأن الحياة قررت أن تختبرها دفعةً واحدة. وذات مساء، سمعت ابنها الصغير يبكي. اقتربت.
قال لها: ماما… إذا متِّ… أنا مع من سأعيش؟
تجمّدت. هذه ليست فكرة في رأسها فقط…لقد وصلت إليهم. ركعت أمامه أمسكت وجهه، وقالت بصوتٍ يرتجف: — أنا لن أموت. كانت تعرف… أنها تكذب. لكنه كان يحتاج هذه الكذبة كما يحتاج الهواء. في تلك اللحظة، انكسر شيءٌ داخلها…ليس ضعفا، بل وعيٌ مرعب: أنها لا تملك رفاهية الحقيقة.
في اليوم التالي، جلست تكتب وصيتها. لكنها لم تكتب عن المال… لم يكن هناك مال. كتبت:
-ابني يخاف من الظلام… اتركوا له الضوء
-ابنتي تحب أن يُقرأ لها قبل النوم… لا تنسوا ذلك
-لا تقولوا لهم أنني تعبت… قولوا إنني كنت قوية
ثم توقفت… نظرت إلى الكلمات، وشعرت أنها تخونهم. تمزّقت الورقة. صرخت—لأول مرة: "أنا لا أريد أن أكون ذكرى!" وفي لحظة صمتٍ ثقيل… أدركت الحقيقة التي كانت تهرب منها: أن الغربة لم تكن في هذا البلد… بل في مصيرها. في الصباح، أخذت أطفالها… وخرجت. لم تذهب إلى المستشفى، ولا إلى العمل، ولا إلى أي مكان منطقي. ذهبت إلى البحر. جلست معهم طويلًا، تركتهم يلعبون، وراقبتهم كأنها تحفظهم في قلبها. اقترب منها ابنها، وقال:
— ماما… لماذا تنظرين إلينا هكذا؟
ابتسمت…
لكن هذه المرة، لم تستطع أن تكذب.قالت:
— لأنكم… كل ما أملك.ثم احتضنتهم.
طويلًا…
بشكلٍ لم يكن عاديًا.وبينما كانت تضمهم، كانت تفكر بشيءٍ واحد: ليس كيف تموت… بل كيف تجعل غيابها… أقل قسوة. لكن الصدمة الحقيقية… لم تكن في المرض، ولا في الفقر ولا في الغربة. بل في هذه الفكرة: أن العالم سيستمر… بدونها. في تلك اللحظة، بكت. ليس لأنها ستموت… بل لأن الحياة… لن تتوقف من أجلها.
عدنان مهدي الطائي
تعليقات
إرسال تعليق