بين الله والإنسان: سفرٌ في البحث عن الحقيقة بين قداسة الإيمان ودهشة العقل ... هذا هو نهجي وفكري

 

بين الله والإنسان: سفرٌ في البحث عن الحقيقة بين قداسة الإيمان ودهشة العقل

في مرافئ الفكر الحائر بين قداسة الإيمان ودهشة العقل، يبدأ السفر الطويل نحو الحقيقة.

بقلم الباحث والكاتب والناقد عدنان مهدي الطائي

  نؤمن بما لا تدركه الأبصار، ونتساءل عمّا تضيق به المدارك؛ ففي المسافة الشاسعة بين الله والإنسان، تنبت الأسئلة، ويولد الإنسان الحقيقي حين يمشي على جسرٍ متأرجح بين نور الإيمان وشكّ المعرفة.

نهجي وفكري:

   إني أؤمن بوجود الله، الكائن المقدس الذي لا تدركه العقول إدراكًا تامًا، ولا تمسّه التناقضات، فهو معصوم من الخطأ، ومحالٌ عليه التناقض، واجب الوجود، ودونه كل مقدّسٍ يُقال زائف. ومن هذا الإيمان أنطلق إلى منهج علماني معتدل، يفصل الدين عن الدولة والسياسة، صونًا لقدسية الذات الإلهية من دنَس المصالح البشرية.

أُميّز بوضوح بين الدين والتديّن؛

   فالدين، في جوهره، منظومة قيم أخلاقية إنسانية، قائمة على العدل والتسامح والمحبة، تتمحور حول الإيمان بكائنٍ مقدسٍ علويّ، لا تحدّه حدود ولا تشوبه شائبة، محالٌ عليه التناقض، واجب الوجود، ليس له بداية ولا نهاية، معصوم من الخطأ.

   أمّا التديّن (فقه رجال الدين)، فهو تعبيرٌ بشري عن تلك القيم، يخضع لمبدأ التناقض والتفاوت، وهو غير معصوم، وبالتالي غير مقدّس. وينساب أحيانًا مع أهواء النفوس والعقول، وقد يكون في بعض صوره انفعالًا نفسيًا معقّدًا، تفرزه مكبوتات دفينة، ويتجلّى أحيانًا في صورة تطرّف فكري وسلوكي، مما يجعله عرضة للنقد والتفنيد، كما يتجسّد في ذهنية بعض رجال الدين.

وإذا كان هذا تمييزي في المجال الديني، فإن رؤيتي تمتد كذلك إلى المجال الاجتماعي والاقتصادي؛ إذ أتبنّى المنهج الماركسي بوصفه أداة نقدٍ للظلم الاجتماعي، دون أن أنزلق إلى الشيوعية كسياسة شمولية مثالية، أشبه بحلم المدينة الفاضلة. وأؤمن بالديمقراطية والليبرالية المنضبطة، بوصفهما أنظمة متغيرة ومتجددة مع تطور الفكر الإنساني، خاضعة لمنطق: "أنا حر ما لم أتجاوز حرية الآخرين". وتنسجم هذه الرؤية مع ثلاثية فكرية راسخة لدي: النسبية، والوسطية، وملاقحة الإيجابيات بين الأفكار، عبر جدلية مادية (ديالكتيك) ترى أن الصراع هو محرّك التطور وايمانا بنظرية الحتمية التاريخية في قوانين التغيير.

    إن الإحساس العميق بالجهل هو الخطوة الأولى نحو المعرفة؛ فما نجهله عن هذا الكون الفسيح أعظم بكثير مما نعلمه. وحين نقارن شحّ معرفتنا بسعة جهلنا، ندرك هشاشتنا ونتعلّم التواضع أمام عظمة المجهول. لا نملك من التاريخ إلا شذراتٍ جزئية، ونرفض أحيانًا ما نعجز عن تفسيره، لكن يبقى الإحساس المستمر بالجهل فضيلة لا غنى عنها لمن يروم الحكمة.

   لقد شغلتني طويلًا قضية الأديان: نشأتها، تعددها، واختلاف طقوسها وتباين نصوصها، حتى غصتُ في أعماقها بحثًا عن سرّها. وكانت خلاصة تأملي أنني أميل إلى رؤية الأديان بوصفها تجلياتٍ للعقل البشري عبر العصور، وليست بالضرورة تنزيلاتٍ سماوية بالمعنى الحرفي.

     فلو شاء الله الواحد الأحد، خالق الكون والإنسان في كل بقاع الأرض، لبعث إلى البشر جميعًا دينًا واحدًا لا تباين فيه في الشكل أو الجوهر. لذلك أرى أن الأديان، على اختلافها، تمثّل جزءًا من حضارات الشعوب وثقافاتها، تنعكس فيها حاجات الإنسان الروحية والاجتماعية عبر الأزمنة والأمكنة، وتحمل في جوهرها سعي الإنسان نحو القيم العليا.

خاتمة:
  وهكذا، أسير في دربٍ بين الإيمان والعقل، أحتكم إلى نور الله الذي لا تدركه الأبصار، وإلى العقل الذي لا يكلّ عن السؤال. أؤمن بأن الحقيقة ليست وقفًا على عقيدة موروثة أو فكر جامد، بل هي سفرٌ دائم نحو المعرفة والعدل والجمال. وفي هذا السفر، ألتزم بثلاثية الحرية: نسبية الفكر، وسطية الرؤية، وملاقحة الأفكار الخيّرة. أعيش إيماني حرًّا، وأفكاري طليقة، وأدرك أن الإنسان، كلما أخلص في البحث عن الحقيقة، اقترب خطوةً نحو ذاته… ونحو الله.

هذه رؤيتي… وهذا منهجي الذي أعتز به.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

دراسة نقدية لرواية "المسخ" لكافكا وتأمل ما بعد الإنسان

عواطف مكبوتة قصة قصيرة.. رحلةٍ رمزيةٍ داخل متاهة الذات