قصة قصيرة (وصيّة على حافات اللامنتهي)

 

 قصة قصيرة (وصيّة على حافات اللامنتهي)

حين هدأ الليل على غير عادته، جلس الظل قرب نافذته المفتوحة على عتمةٍ بلا ضفاف.
كان السكون كثيفًا، كأن الهواء نفسه يتردد في العبور.

لم يكن الليل عاديًا تلك الليلة.
كان ساكنًا بطريقة تشبه ما قبل الاعتراف.

مدّ يده نحو القلم، فتوقف.
شعر بأن الغرفة أضيق من جدرانها، وبأن الظلال لا تتبع الأشياء بدقة.
تحرّك قليلًا، فتأخر ظلّه نصف نبضة.

ابتسم بسخرية خفيفة.
الإرهاق يفعل أكثر من هذا.

لكن النافذة كانت مفتوحة، والستارة لا تتحرك.
ومع ذلك، كان هناك ما يعبر.

لم يسمع صوتًا، بل إحساسًا.
كأن أحدهم يجلس قبالته دون أن يشغل حيّزًا.
كأن الهواء انحنى احترامًا لوجودٍ لا يُرى.

لم يكن خائفًا.
الخوف يحتاج إلى عدو واضح.
أما هذا، فكان أقرب إلى يقينٍ قديم يعود.

جلس.

الورقة أمامه بيضاء، لكن البياض لم يكن خالصًا.
حدّق طويلًا، فرأى — أو تخيّل أنه رأى — أثر كلمات خافتة، كأن الحبر تراجع إلى داخله.

أغمض عينيه.

وعندها سمعه.

لم يكن صوتًا خارج أذنه، بل داخل فكره، واضحًا حدّ الألم:

إن تركتني بلا كتابة، سأصير فراغك.

فتح عينيه دفعة واحدة.

الورقة ما زالت بيضاء.
القلم في مكانه.
الغرفة كما هي.

إلا أن شيئًا فيه تغيّر.

أدرك فجأة أن الغياب لا يطلب رثاءً، بل استمرارًا.
وأن الموت لا يخيف بقدر ما يخيف الصمت.

أمسك القلم، لا ككاتبٍ، بل كمن يستعيد عضوًا مبتورًا.

كتب:

"حين نفترق، لا ينتهي الكلام… بل يبدأ في طبقة أخرى من الوجود."

تدفقت الكلمات كأنها لم تُخلق الآن، بل كانت تنتظر السماح لها بالظهور.
لم يكن يكتب عن غياب أحد، بل يكتب بما تبقّى في داخله.

وحين انتهى، شعر أن الغرفة اتسعت.
أن الظلال عادت إلى أماكنها.
أن الليل فقد حدّته.

رفع رأسه نحو النافذة.
لم يرَ أحدًا.
لكنه لم يكن وحده.

همس:

ابقَ حيث أنت… في اللغة.

أطفأ المصباح.
الظلام هذه المرة لم يكن ثقيلًا.
كان يشبه رحمًا.

في الخارج، ظلّ الليل ممتدًا.
وفي الداخل، صار اللامنتهي أقل غموضًا.

لأنه فهم أخيرًا:
نحن لا نهزم الموت بالإنكار،
بل بالصياغة.

قراءة موجزة لسرد القصة

   لا تتكئ هذه القصة على حدث خارق بقدر ما تبني توترها من اختلال داخلي في الإدراك؛ فالليل فيها حالة وعي، والظلّ المتأخر إشارة إلى تصدّعٍ بين الذات وغيابها. اللامنتهي لا يظهر كفضاء غيبي، بل كاستمرار للمعنى بعد انقطاع الجسد.

   الغياب هنا لا يطلب رثاءً، بل كتابة. ومن خلال هذا التحوّل يصبح الحبر فعل مقاومة للصمت، وتغدو اللغة جسرًا بين الفقد والبقاء. إن الخطر الحقيقي في النص ليس الموت، بل الفراغ؛ لذلك تتحول الكتابة إلى ضرورة وجودية تعيد ترميم الذات الناقصة.

) وصيّة على حافات اللامنتهي) ليست قصة عن الموت، بل عن الوعي الذي يرفض أن يترك أثره يتلاشى. فالإنسان لا يخلد بطول العمر، بل بقدرته على تحويل الألم إلى معنى. او خلاصنا الوحيد هو أن نتحوّل إلى معنى.

عدنان الطائي.. رفيق الحبر… حتى الصمت.

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

الإبراهيمية: بين دعوة التعايش ومشروع التطبيع