قصة قصيرة (أنا الذي تأخّر.)
قصة قصيرة (أنا الذي تأخّر.)
عدنان الطائي كاتب يزاوج بين الحسّ الوجداني والتأمل الفلسفي،
تمهيد للقارئ
في قصة (أنا الذي تأخّر) يتداخل السرد بالتأمل، ويتحوّل الفقد من ذكرى شخصية إلى مساحة تفكير في الزمن ومسؤوليته الصامتة. تقوم القصة على ثلاثة مستويات متوازنة: صوت داخلي يبوح بلا مواربة، لحظة سردية تمنح النص حركة خافتة، ورمز فلسفي يجعل الغياب مرآة لأسئلة أوسع عن الحضور والتأجيل. لا تسعى القصة إلى استدرار الدموع، بل إلى إيقاظ الانتباه. إنها قراءة فيما يحدث حين يتأخر الوعي عن اللحظة، وحين يتحول الحب غير المُعاش إلى زمنٍ متجمّد في الذاكرة.
(لم يكن الفقد أنكِ متِّ…
بل أنني عشتُ بعدكِ كأنني خارج الزمن)النص الكامل للقصة
في مساءٍ يشبه الأمس، عدتُ إلى الغرفة التي لم يتغير فيها شيء، إلا أنا.
الساعة المعلّقة على الجدار ما زالت تشير إلى التاسعة تماماً. توقّفت يوم رحلتِ، ولم أملك شجاعة إعادة عقاربها إلى الحياة. كنتُ أظن أن الزمن إن عاد للدوران سيعترف بأنكِ لم تغادري.مرّ عامان، والساعة صامتة.
وأنا أيضاً.جلستُ على طرف السرير، حيث كنتِ تثرثرين عن أشياء صغيرة لا معنى لها، وكنتُ أستمع بنصف قلب. اليوم أبحث عن تلك الثرثرة كأنها حكمة ضائعة. أفقدتُ صوتكِ، رائحتكِ، حتى مللكِ الذي كنتُ أهرب منه. اكتشفتُ أنني لم أكن أهرب منكِ… بل كنتُ أؤجّل نفسي.
يا زهرة عمري،
أكتب إليكِ لا لأنني نسيت أنكِ رحلتِ، بل لأنني لم أفهم بعد كيف يرحل من يسكن الدم. حبّكِ ما زال يسري في شرياني، لكنني صرتُ بارداً، كأن الدفء كان لكِ وحدكِ، وحين مضيتِ أخذتِه معكِ.اليوم ذهبتُ إلى قبركِ لأول مرة منذ عامين.
لم أحمل ورداً، بل حملتُ السؤال الذي ظلّ يطاردني:هل تأخرتُ عليكِ… أم تأخرتُ عن نفسي؟
وقفتُ أمام اسمكِ المنقوش على الحجر، وتساءلتُ:
أيّنا دُفن حقاً؟
أنتِ تحت التراب، أم أنا تحت الوقت؟كنتُ أظن أن رحيلكِ ظلمٌ وقع عليّ، وأن العدل سيأتي حين نلتقي. لكنني أدركتُ هناك، أمام الصمت الثقيل، أن العدالة ليست في اللقاء… بل في ألا نتأخر. وأنا تأخرتُ. تأخرتُ عن أن أقول ما يجب قوله، وعن أن أحتفي بما كان بسيطاً وجميلاً، وعن أن أفهم أن الثرثرة التي كنتُ أعدّها عبئاً كانت موسيقى البيت.
كل النساء من بعدكِ كنّ نجوماً تمرّ وتنطفئ.
أما أنتِ، فلم تكوني نجمة.
كنتِ السماء نفسها، ولم أدرك ذلك إلا حين فقدتها.عدتُ من المقبرة بخطوات بطيئة. نظرتُ إلى الساعة المتوقفة في الغرفة، واقتربتُ منها أخيراً. لم أحرّك عقاربها. تركتها كما هي. فهمتُ فجأة أن الزمن لم يتوقّف يوم رحلتِ… بل أنا الذي توقّفتُ.
أكتب إليكِ الآن، لا لأعيدكِ، ولا لأبكيكِ، بل لأعترف:
لم يكن الفقد أنكِ متِّ،
بل أنني عشتُ بعدكِ كأنني خارج الزمن.ربما لم تتأخري عليّ يوماً،
ربما كنتِ تسيرين في وقتكِ الطبيعي،
وأنا الذي بقيتُ واقفاً في محطة الأمس.إن كان لنا لقاء، فلن يكون في مقبرة، ولا في حلم، بل في لحظة أتعلم فيها أخيراً أن أحبّ في أوانه، وأن أقول ما يجب قوله قبل أن يصبح الكلام نقشاً على حجر.
كنتُ أظن أنني أكتب إليكِ رسالة،
لكنني أدرك الآن أن الزمن هو الذي كتبني…
وأنني، منذ عامين، أحاول أن أتعلم كيف أعود إلى الحياة.أنا الذي تأخّر.
تعليقات
إرسال تعليق