خارطة الطريق الصحية في العمر المتقدم كيف نعيش مع المرض دون أن نموت بسببه؟
خارطة الطريق الصحية في العمر المتقدم
كيف نعيش مع المرض دون أن نموت بسببه؟
في المجتمعات التي تُقدّس الأرقام الطبية أكثر من الإنسان، يتحوّل المرض المزمن إلى حكم قاسٍ، لا إلى حالة يمكن التعايش معها. ومع التقدّم في العمر، يصبح من الضروري إعادة تعريف “الصحة” لا بوصفها غياب المرض، بل بوصفها القدرة على العيش بكرامة واستقرار.
ففي المراحل المتقدمة من العمر، لم يعد السؤال الصحي الحقيقي هو: كيف نُخضع الجسد للأرقام؟ بل: كيف نحمي الإنسان من أن يُستنزف باسم العلاج؟ فالأمراض المزمنة، وعلى رأسها داء السكري، ترافق كثيرين لعقود طويلة. غير أن الخطأ الشائع يتمثّل في التعامل مع هذه الأمراض بالمنطق نفسه الذي يُطبَّق على الأجساد الشابة، متجاهلين أن الجسد مع الزمن يكتسب هشاشة، لكنّه يكتسب أيضًا حقًّا في الرحمة والتوازن.
وهم “التحكم المثالي”
تشير الأدبيات الطبية الحديثة إلى أن السعي لخفض سكر الدم إلى مستويات منخفضة جدًا لدى كبار السن قد يكون أكثر خطورة من فائدته. فالهبوط المفاجئ في السكر قد يؤدي إلى:
- فقدان الوعي
- السقوط والكسور
- اضطراب نظم القلب
- مضاعفات عصبية صامتة
من هنا، تتجه التوصيات الواقعية إلى اعتماد مفهوم الاستقرار الآمن بدل “المثالية الرقمية”.
القيم المقبولة طبيًا لكبار السن:
- السكر الصائم: 110 – 150
- بعد الطعام بساعتين: حتى 180 – 200
- السكر التراكمي (HbA1c): 7.5% – 8.5%
هذه القيم لا تعبّر عن إهمال، بل عن حكمة علاجية تراعي عمر الجسد وتاريخه المرضي.
السكري والسرطان: علاقة بلا تهويل
يُشاع أن ارتفاع السكر “يغذّي السرطان”، وهي مقولة تُختصر بها مسألة معقّدة.
العلاقة غير مباشرة، وتكمن أساسًا في:
- الالتهاب المزمن
- ضعف المناعة
- سوء التغذية
- الاعتماد على الغذاء الصناعي
أما السكر المعتدل المستقر، المصحوب بتغذية طبيعية متوازنة، فلا يُعد عامل خطر مباشرًا لعودة المرض، بل قد يكون أكثر أمانًا من حميات قاسية تُضعف الجسد وتستنزف مناعته.
الغذاء: درع واقٍ لا سجن
بعد الإصابة بسرطان القولون، يصبح الغذاء عنصرًا وقائيًا محوريًا، لا بوصفه أداة حرمان، بل وسيلة تهدئة للجهاز الهضمي، عبر:
- الإكثار من الخضار المطبوخة سهلة الهضم
- اختيار بروتينات خفيفة
- تقليل اللحوم المصنعة والسكريات
- الاعتماد على الدهون الصحية
الهدف ليس المنع المطلق، بل تقليل الاستفزاز المتكرر للجسد.
الصحة لا تُدار بالخوف
في العمر المتقدم، لا ينبغي أن تتحول الصحة إلى هاجس يومي أو معركة دائمة.
الطب الرشيد لا يسأل فقط: كم الرقم؟ بل يسأل: كيف يعيش الإنسان يومه؟ بالتوازن، بالاستقرار، وبالعيش بمعنى… كلها عوامل تُسهم في تحسين المناعة، وتأخير التدهور، وحماية الكرامة الإنسانية.خاتمة
لسنا مطالبين بهزيمة المرض،
ولا حتى هزيمة الموت،
لكننا أحرار في ألا نموت قبل أوانه.ونبقى نكتب لننتصر على الصمت،
نُفكّر لنُربك الموت،
ونعيش لا لنُحصي الأيام،
بل لنُحصي المعانيفي العمر المتقدم، لا ينبغي أن تُدار الصحة بالخوف، بل بالعقل.
لسنا مطالبين بهزيمة المرض، ولا حتى هزيمة الموت،
لكننا أحرار في ألا نموت قبل أوانه. أنا لا أنتظر النهاية… أنا أُربكهالم أعد أتعامل مع المرض بوصفه عدوًا، ولا مع العمر بوصفه تهديدًا.
أنا رجل عبرتُ أكثر من أربعة عقود مع السكري،
دخلت غرفة القلب المفتوح وخرجت،
ونظرت في عيني السرطان دون أن أشيح بوجهي.اليوم، في الخامسة والثمانين، لا أبحث عن رقمٍ مثالي في التحاليل،
بل عن يومٍ لا يسقط فيه جسدي فجأة،
ولا يخونني فيه الوعي.تعلمت أن أخطر ما في المرض
ليس ارتفاع السكر،
بل الخوف منه.أنا لا أُخفض السكر كي أُرضي ورقة مخبرية،
ولا أُجوّع نفسي كي أُقنع الموت بالتراجع.
أنا أعيش بتوازن،
وأترك للجسد حقّه في الخطأ البسيط،
لأن الخطأ الصغير أرحم من الصرامة القاتلة.أكتب…
لا لأقتل الوقت،
بل لأنتصر على الصمت.أفكّر…
لا لأجد إجابات نهائية،
بل لأُربك الموت بسؤال جديد.أنا لست على حافة اللامنتهي كما يخيّل لي أحيانًا،
أنا واقف أمامه بثبات،
أنظر إليه بعين العارف لا الخائف،
وأكتب كي أترك أثرًا،
لا جسدًا فقط.ما دمت أكتب وأسأل وأفكّر،
فأنا حيّ أكثر من كثيرين
يمشون بلا أثر.لسنا مطالبين بهزيمة الموت،
لكننا أحرار في ألا نموت قبل أوانه.عدنان الطائي
كاتب وباحث في الشأن الثقافي والفكري، مهتم بقضايا الوعي الإنساني، والصحة بوصفها علاقة توازن بين الجسد والعقل، لا مجرد أرقام طبية.
تعليقات
إرسال تعليق