من تعليم العقيدة إلى تربية الإنسان قراءة فلسفية في جدوى استبدال الحصة الدينية بالقيم الإنسانية

 

من تعليم العقيدة إلى تربية الإنسان

قراءة فلسفية في جدوى استبدال الحصة الدينية بالقيم الإنسانية

بقلم عدنان الطائي

   لم تُنشأ المدرسة لتكون معبدًا، ولا الصف الدراسي منبرًا عقديًا، بل فضاءً لتشكيل الوعي الإنساني، وبناء العقل القادر على التفكير، والضمير القادر على التمييز بين الخير والشر بمعناه الإنساني الواسع، لا الطائفي الضيق. غير أن الحصة الدينية، في كثير من نظم التعليم، خرجت عن هذا الدور النبيل، وتحولت – في بعض الدول – من نافذة للأخلاق إلى أداة إقصاء، ومن درس في القيم إلى تمرين مبكر على تقسيم العالم إلى “نحن” و“هم”.

حين يُختزل الدين في خطاب الإلغاء

  المشكلة ليست في الدين بوصفه تجربة روحية وأخلاقية، بل في احتكاره داخل المؤسسة التعليمية عبر تفسير واحد، وعقيدة واحدة، وتاريخ واحد، يُقدَّم للطفل على أنه الحقيقة المطلقة التي لا تقبل السؤال.

    في هذا السياق، يُشوَّه الآخر الديني، وتُهان رموزه أحيانًا، كما يحدث في بعض المناهج التي تتناول المسيحية أو غيرها من الأديان بلغة دونية أو إقصائية، وهو ما يتناقض جذريًا مع القيم التي تدّعي تلك المناهج الدفاع عنها: العدل، والرحمة، والمساواة. فأي تربية هذه التي تبدأ بإلغاء كرامة الآخر؟

  فالقيم الإنسانية هي اللغة المشتركة بين البشر كالصدق، العدل، الرحمة، احترام لاختلاف، كرامة الإنسان، نبذ العنف ليست ملكًا لدين بعينه، ولا حكرًا على عقيدة دون أخرى. إنها القاسم الأخلاقي المشترك بين:

  • الأديان السماوية،
  • والفلسفات الإنسانية،
  • وحتى الضمير البشري الفطري.

فينبغي تدريس هذه القيم في إطار مدني إنساني لا يُفرغ الدين من مضمونه، بل يُعيده إلى جوهره الأخلاقي، بعيدًا عن التوظيف السياسي أو المذهبي.

هل استبدال الحصة الدينية يعني إلغاءٌ للدين؟

هذا السؤال يعكس خوفًا أكثر مما يعكس حجة. فالدين الحقيقي لا يحتاج إلى سلطة الدولة لحمايته، ولا إلى فرضه داخل الصفوف الدراسية كي يبقى حيًا. الإيمان، بطبيعته، تجربة حرة، لا تنمو بالإكراه ولا تزدهر بالتلقين. حيث يمكن للدين أن:

  • يُدرَّس اختياريًا،
  • أو يُناقش في إطار مقارنة الأديان،
  • أو يُترك للمجال الأسري والروحي الخاص،  دون أن يتحول التعليم العام إلى أداة فرز عقائدي. فينبغي قيام التربية على المواطنة لا على الطائفة..فالدولة الحديثة لا تُدار بالعقائد، بل بالمواطنة. والمدرسة، بوصفها الذراع الثقافي للدولة، معنية بتربية الإنسان القادر على العيش مع المختلف، لا محاربته. فإن أخطر ما تنتجه الحصة الدينية المؤدلجة هو:
  • تطبيع الكراهية في سن مبكرة،
  • تحويل المقدس إلى سلاح رمزي،
  • وصناعة أجيال ترى في الاختلاف تهديدًا لا ثراءً.

خاتمة: مع الإنسان أولًا

   الدعوة إلى استبدال الحصة الدينية ببرنامج للقيم الإنسانية ليست دعوة ضد الدين، بل ضد تشويهه. وليست حربًا على الإيمان، بل دفاعًا عن كرامة الإنسان. حين نُعلّم الطفل كيف يكون عادلًا قبل أن نعلّمه من هو “الناجي، وحين نزرع في وعيه احترام الإنسان قبل تصنيفه، نكون قد وضعنا الأساس الحقيقي لمجتمع متصالح مع ذاته، ومع العالم.

فالأديان، في جوهرها، جاءت لترفع الإنسان لكن الإنسان وحده، حين يُهان باسمها،
هو من يدفع الثمن.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

العربية واللغات الأخرى: تفوق لغوي أم تأثر متبادل؟

العنوان: بين العقل والعدم: رحلة فلسفية وعلمية لإثبات وجود الله

الإبراهيمية: بين دعوة التعايش ومشروع التطبيع